ليست إدلب مجرّد بندقية. لم تكن كذلك يوماً، ولا يليق بها أن تكون. هذه الأرض التي اختزنت في تربتها حضاراتٍ متعاقبة، من الآراميين إلى الرومان، من البيزنطيين إلى العرب المسلمين، لا يمكن اختزالها في صورة مقاتل يحمل السلاح أو في مشهد انفجار يهزّ ليل المدينة ويربك نهارها. ولا في سيارة مفخّخة، ولا سوط يجلد شاباً.
في الشهور الأخيرة، اهتزّت إدلب على وقع انفجارات غامضة، واحدة تلو الأخرى، من دون إجابات شافية. خمسة انفجارات كبيرة في أقل من شهرين، ولا أحد يعلم من يقف وراءها. أصوات الموت تتكرّر، والمشهد يعيد إنتاج الرعب، من دون أن تشرح جهة مسؤولة أو تقدّم التفسير أو التبرير. وكأن إدلب تحوّلت إلى مخزن بارود لا يعرف أحدٌ متى أو بمن سينفجر، أو لمن يتوجه هذا التفجير. هل هي رسائل؟ تصفيات؟ عبث غير مقصود؟ مقصود؟ لا شيء واضحاً، فقط أمهاتٌ يعشن على نبض الخوف، وأطفال ينامون على سؤال واحد: “هل سينفجر شيءٌ صباح الغد؟
ليست المشكلة في الانفجارات وحدها، بل فيما تمثّله إدلب اليوم. لقد باتت خزّاناً للبشر والبنادق، للطاقات التي تُختزل في هيئة مجند، مقاتل، عنصر أمني. هناك جيل وُلد في الظل، تربّى بين الحصار والقصف والنزوح، ولا يُرى اليوم إلا من منظار “الجاهزية للنفير العام”. ماذا عن أحلام هذا الجيل؟ عن تعليمه، صحّته، مستقبله؟ ماذا عن الجامعات والتعليم، المدارس التي أغلقت، المستشفيات التي تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات؟
لا يريد أبناء إدلب أن يكونوا أرقاماً في قوائم التعبئة. لا يريدون أن تُستدعى اسماؤهم ليُرسَلوا إلى جبهاتٍ ومحافظاتٍ لا يعلمون عنها شيئاً، ولا أن يصبحوا مصدر خوفٍ لإخوتهم السوريين، ولا أن ترتبط لهجتهم بالحواجز والاعتقال وفروع الأمن.
يريدون، ببساطة، أن يعيشوا. أن يزرعوا التين والزيتون كما فعل أجدادُهم منذ آلاف السنين، وأن يقطفوا الكرز في الصيف، أن يحتفلوا بموسم العنب، وأن يزور بعضهم بعضاً في الأعياد، ويحتفلوا بأعراس أبنائهم، لا أن يتم استدعاؤهم ويُطلبُ منهم النفير عند كل أعمال عنف تندلع في هذه المنطقة أو تلك.
دفعت إدلب ثمناً باهظاً في مواجهة الاستبداد، دفعت ثمناً باهظاً في زمن النظام السابق، دماً وقصفاً وتهجيراً ودماراً. نزفت دماءً كثيرة، وتشظت جغرافياً واجتماعياً، وتحملت من الأوجاع ما لا تطيقه محافظة أخرى. آن لها أن ترتاح. آن لها أن تُعامل كأرض تستحق الحياة، لا كأرض تصلح للقتل والقتال والموت فقط.
المؤلم اليوم أن إدلب لم تعد ضحية النظام فقط، و14عاماً من القصف والبراميل والصواريخ، بل باتت ضحية للصور النمطية. سوريون كثيرون، حتى ممن هم ضد النظام، صاروا ينظرون إلى إدلب بريبة. يتوجّسون من طريقة إدارة الفضاء الأمني والعسكري، خصوصاً مع تصاعد النفوذ الأمني وارتباطه المباشر بأبناء المحافظة أنفسهم. هذه المعادلة تنتج حساسية مضاعفة، وتغذّي الضغينة والكراهية لأبناء المحافظة.
لا نريد لإدلب أن تصبح “قرداحة” جديدة. لا نريدها أن تكون مفرخة أجهزة أمنية ولا معقلاً جديداً، أو خزّاناً للعناصر الأمنية. نريدها أن تكون محافظة سورية عادية، كما حمص، كما دمشق، كما اللاذقية، كما حلب، كما أي مدينةٍ تطمح إلى حياة طبيعية. نريد جامعاتٍ تخرّج مهندسين وأطباء لا مقاتلين، ومصانع تنتج ألبسة أو أغذية لا ذخائر، وشوارع مزدحمة بالناس، مثل أي مدينة طبيعية على وجه الأرض.
تستحقّ إدلب فرصة. فرصة لتتطهّر من لعنة الحرب، من إرث الفوضى. تستحقّ أن يراها الآخرون كما هي ذاتها، أرضاً للكرز والتين والزيتون والفلاحين الطيبين، لا مخزناً للسلاح أو مجرّد بندقية تُستدعى عند الحاجة.
