اختراعُ الوباء.. الرواية العربية بعد “كوفيد”

غادر “كوفيد 19″، ولم تغادر سرديةُ الوباء الرواية العربية، لكنها “تحوَّرت” إن جاز التعبير. فبعد سيلٍ من النصوص التي اشتبكت مع جائحة الواقع إبَّان وفي أعقاب غزوها العالم، تشهد اللحظةُ الروائية الراهنة اضطراداً ملحوظاً في النزوع إلى “اختراع الوباء” عوض “اقتباسه”؛ نزوع نهضت به مؤخراً، وفي ظهورات متقاربة الصدور، روايات عدّة خلقت جوائحَها بشروط فنية بالكامل، عبر اشتغالٍ مستقل للمخيلة الروائية.

من نفي الشكل إلى تحريفه

في روايته الأحدث “معزوفة اليوم السابع”، (دار الشروق، القاهرة) يخترع الروائي الأردني جلال برجس مدينةً ويخترع معها وباءها، كأن إنشاء المكان الروائي بات مشروطاً بتأسيس جائحته. تستقبل “مدينةُ الجد الأول” وباءً غامضاً وشديد التجريد، إذ لا يصيب الجسد بل صورته، حيث ينظر الناس في المرايا فلا يرون وجوههم. ارتدادٌ إنساني إلى الحالة الطيفية يخلق، على نزوعه التجريدي الواضح، أثره المادي المتموضع مباشرةً في الجسد، فيذهب المصابون به إلى الانتحار.

يتصل الوباءُ المتخيل بكورونا في عمقه الاستعاري: ثيمة “العزلة”، فانفصام الفرد، ومن ثم الجماعة، عن صورته، يحيل إلى انفصام الإنسان عن وجوده نفسه. الوباء هنا يذهب لفكرة “الانعكاس” الممحو، ليجعل من غياب “الصورة”، وهي التمظّهر الافتراضي، غياباً للواقع والمرجع ككل. تقلب الرواية البديهية الوجودية: فالانعكاس يتّبع الجسد قهرياً، لكن الوباء في هذه الرواية يجعل الجسد هو التابع، تأكيداً على ذلك الجسد المقموع التابع للسلطة بوصفها في نهاية المطاف انعكاساً لمجمل السياقات القائمة.

الوباء الموروث يرتبط بالوطن الموروث وأمراضه الثقافية

من أبرز ما يميّز وباء “معزوفة اليوم السابع”، النظرة إلى علاقته بالموت، فالموت هذه المرة يأتي إرادياً، عندما يذهب الموبوؤون طوعاً للانتحار، بدل أن يقاوموا الفناء. كأن الوباء في سردية برجس يخلق لدى الإنسان إرادة الموت لا إرادة الحياة. الوباء نفسه يعوزه الاسم، فلا يسميه السارد، وهو نقدٌ عنيف للثقافة التي، بإسباغها الأسماء على الأوبئة، تؤكد استمراريتها، فتمنحها التعريف إيذاناً بإبقائها حية، من حيث يُفترض أن تُنكِّرها إن صدَّقت حقاً أنها مؤقتة وزائلة.

من جانبه، يشتبك الروائي المصري محمد سمير ندا مع الوباء، لا بجعله نفياً للتمظهر مثلما فعل برجس، بل بتعميق رعب الشكل. في روايته “صلاة القلق” (دار مسكيلياني، تونس) المتوجة قبل أشهر بالبوكر العربية، ينهض نجعٌ معزول، متخيلٌ أيضاً، يحمل اسماً يحيل بدوره بلا مواربة لثيمة العزلة: “نجع المناسي”، إذ يسهل تلمُّس اشتقاق الاسم من النسيان.

في أعقاب هزيمة يونيو/ تموز 1967، يجتاح النجعَ وباءٌ غامضٌ فريد، يسقط معه شعر الرأس والحاجبين، ويتخذ الناس هيئات السلاحف. إنه انتقالٌ رمزيٌ من الحالة الإنسانية إلى الحالة الحيوانية هذه المرّة، ينسجم مع المكان الذي يحتضنه، القائم خارج التاريخ، إذ تُبتلع القرية في ثقبٍ زمني يمتد لما يقارب السنوات العشر ليستيقظ الناسُ في العام 1977، ولم يدركوا وقوع انتصارٍ لاحق (حرب السادس من أكتوبر). الوباء المخترع في رواية ندا يحيل إلى جانب آخر تعكسه طبيعة العلامة/ السلحفاة التي يستعيرها: التثاقل والبطء، الإدراك المتأخر، والصَدَفة الصلدة التي تثقل كاهل الذات وتحجبها عن السياق. لا يهدد الوباء البقاء الفسيولوجي بل، برمزيةٍ فادحة، الوعي بالعالم، فيبدو من المستحيل العثور على مصلٍ يعيد الإنسان إلى إنسانيته، فضلاً عن إرادة ذلك الإنسان نفسه في استعادة “إعداداته”. 

كأنّ الوباء يخلق لدى الإنسان سردية الموت لا إرادة الحياة

على تباين الوبائين في الروايتين، يشتركان في الشرط الفانتازي، خاصة وأنّ كلا الروايتين تتحرك من داخل أدبيات الديستوبيا، حيث الرزوح تحت سلطات مركزية شمولية، في مكان فاسد، ويحتل بؤرة كليهما وعي “المثقف” شخصيةً مهزومةً، في تمثيلٍ مأساوي للفرد الرائي، صاحب الوعي المفارق، الذي يجد نفسه ليس هدفاً للوباء فحسب، بل ومؤرخاً له. بالتالي فالوباء في الحالتين ليس تدخلاً من القدر، وإن تسبب فيه اصطدام جرمٍ بالأرض كما في رواية ندا، بل تمثيلاً لذهنية السلطة، حتى أنّ الأهالي في رواية برجس ينظمون مسيرات للمطالبة بعودة وجوههم.

إرث الجائحة يبتكر مستقبلها

إذا كان “الخفاش” هو الكائن/ العلامة الماثلة في الوعي الجمعي منبعاً حقيقياً أو متخيَّلاً لوباء كوفيد، فإنّ “الغراب” في رواية الكاتب السعودي يوسف المحيميد هو نذير الوباء المحتمل أو المقبل، في “رجل تتعقبه الغربان” (دار العين، القاهرة). تسترجع الرواية أوبئةً سالفة كسرديات كاشفة لتاريخ المجتمع السعودي، منها الكوليرا والجدري. لكن الرواية، إذ تتموضع في زمنٍ مستقبلي (2048) فإنما تمثل هروباً من الوباء القادم، إذ يهرب رجلٌ من الغربان حد نفي نفسه عن المكان. وبنزوعٍ رمزي فادح، يختار الساردُ مدينةً ثلجية إذ “البياض” علامةً لونية يناقض سواد الغربان، في نجاةٍ استعاريةٍ بالكامل.

يحوم السارد حول “وبائه” الفردي متوجساً ومنتظراً بالقوة ذاتها أن يصيب الجماعة، وهو بهذا يختبر فرديته عبر طريقٍ عكسي، فحقيقة كونه مستهدفاً وحيداً دون الجماعة، هي ذاتها حقيقة كونه موجوداً متفرداً على يسارها. يغادر البطلُ وباءً إلى وباء، في انتقالٍ رمزي أيضاً: فالوباء الموروث يرتبط بالوطن الموروث وأمراضه الاجتماعية والثقافية، والوباء المنتظر يرتبط بالأرض الجديدة، أرض المنفى والاغتراب. 

أما الروائي المصري ماجد وهيب، فيختار في روايته “أخبار الأيام الأولى” (دار المرايا، القاهرة)، التوجّه مباشرةً لمناخات قصة الخلق، نرى آدم وحواء ومن بعدهما قابيل وهابيل، في تناص مباشر مع السردية التوراتية المستقرة. لكن رواية وهيب، ومن داخل هذا التقليد، تخلق جماعةً بشرية تتعرض بالكامل لوباء غامض، وأيضاً غير مسمى، يُبقي على شخصٍ واحد. كأنّ الوباء هذه المرة، على العكس من رواية المحيميد، يستهدف الجماعة المنسجمة، وبضربةٍ واحدة، لينجو فقط بفردٍ واحد يصبح في ذاته سلالة: “ظل هو وبقية أهله في مأمن حتى فقدهم دفعة واحدة في ذلك اليوم”، وفق رواية “وهيب”، تغدو عزلة الإنسان اختياراً فوقياً: “هذه القوة التي لعنتهم هي نفسها التي ترسل إليهم النور كل الصباح”. الوباء يُسمَّى “لعنة”، بكل ما في الدال من حمولات ميثولوجية، والفاعل هو الإله نفسه. بالتالي تنحو الرواية إلى إعادة مناقشة الوباء بوصفه قدراً ميتافيزيقياً.

على اختلاف هذه المرويات فيما بينها، على مستوى التقنيات والتيارات الأدبية، فإنها اجتمعت على عددٍ من المشتركات: النظرة المجهرية للماضي، تمحيص سؤال العزلة المتزايد في مجتمعات الرفاهة والضرورة العربية على حدِ سواء لا باعتباره نتاج جائحة بل كصانعٍ لها، الاشتباك العنيف مع سرديات الهزيمة المشتركة على اختلاف الجغرافيات العربية، وحيث لا يُخترع الوباء كضيفٍ على هواء المدينة العربية، بل كملمحٍ ثابت تطل عليه، كأنه البحر أو النهر أو الجبل. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *