عند موقف لصف السيارات في دمشق، تقف أميمة، سيدة في العقد الرابع من عمرها، لتسجل كل سيارة تريد الوقوف، ربما لساعة أو أكثر؛ هو عملها الذي تنفق من خلاله على ابنها الوحيد بعد أن توفي زوجها منذ عام، كما تقول. وشخصيا هي لا تخجل من هذا العمل الذي يصنف على نطاق واسع بأنه حكر على الرجال. ناهد نموذج أخر للمرأة السورية العاملة، فهي تبيع الدخان على “بسطة” عند الجسر الأبيض في دمشق، هي الأخرى تخوض عملاً غير مألوف للنساء، بالإضافة إلى قصص كثيرة لنساء توجهن نحو أعمال توصف بأنها للرجال، مثل العمل سائقة تاكسي أو ميكروباص أو في مطاعم وغيرها.
التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي شهدتها سورية خلال سنوات الحرب ما بين 2011 – 2023 وما بعدها انعكست على بنية المجتمع وسوق العمل، ومن أبرز هذه التحولات ازدياد مشاركة المرأة السورية، سواء بدافع الضرورة نتيجة غياب الرجل بسبب الحرب، أو الهجرة، أو الوفاة، أو نتيجة تغير الأدوار الاجتماعية التقليدية.
من متلقية مساعدات إلى معيلة
قبل اندلاع الثورة عام 2011، تراوحت نسبة مشاركة المرأة السورية في قوة العمل بين 12 و 17% فقط وفق بيانات المكتب المركزي للإحصاء، ومعظم النساء كنّ يعملن في الزراعة أو في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الحكومية.
وحسب مراقبين، تلعب المرأة السورية دوراً اقتصادياً حاسماً بعد الحرب، وتحولت من متلقية مساعدة إلى معيلة أساسية للأسرة عبر المشاريع الصغيرة (خياطة، طعام، بقالة) والتدريب المهني، لكنها تواجه تحديات كبيرة كالتهميش الاجتماعي، وصعوبة الوصول للتمويل، والحماية القانونية. وتتطلب مشاركتها الفعالة استثماراً في التعليم، والتمويل، والدعم القانوني والنفسي لتمكينها الاقتصادي الكامل والمساهمة في إعادة إعمار سورية.
المحلل الاقتصادي شادي سليمان يعلق على هذا التطور في السوق السوري قائلاً: إن مشاركة المرأة في سوق العمل، بحسب بعض التقديرات، ارتفعت إلى أكثر من 25% بعد عام 2015 مع غياب الرجل، إذ أصبحت المرأة المعيل الرئيسي لعدد كبير من الأسر السورية. وأضاف في حديث لـ “العربي الجديد”: إن مجالات كثيرة لم تكن مألوفة دخلتها المرأة مثل الأعمال الصغيرة، التجارة المحلية، الصناعات المنزلية، وحتى بعض الأعمال الحرفية، إضافة إلى توسع كبير في عمل النساء ضمن القطاع غير الرسمي كالبيع بالتجزئة، والورش الصغيرة، والأعمال اليدوية. ويتابع سليمان: إن السوريات استفدن من برامج المنظمات الدولية والمحلية (قروض صغيرة، دعم مشاريع منزلية) لبدء أنشطة اقتصادية مثل الخياطة، وإنتاج الأغذية، والزراعة الصغيرة.
الحدّ من الفقر
يقول سليمان: إن عمل المرأة ساعد في الحدّ من الفقر لدى آلاف الأسر، خاصة لجهة دعم الاقتصاد غير الرسمي؛ فمساهمة المرأة فيه جعلته مصدراً مهماً لتأمين السلع والخدمات، كما أن انخراط المرأة في العمل عزز التماسك الاجتماعي والقدرة على التكيف مع الأزمات، ناهيك عن المساهمة في تنويع القوى العاملة، فدخول المرأة لمجالات جديدة زاد من مرونة الاقتصاد المحلي.
ويرى أن تعزيز دور المرأة يتطلب إصلاحات تشريعية تضمن المساواة في فرص العمل والأجور، مشيراً إلى ضرورة توفير برامج تدريب مهني تستهدف النساء لدمجهن في قطاعات إنتاجية متقدّمة (تكنولوجيا، خدمات مالية)، مع تشجيع الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تديرها المرأة، إضافة إلى ضرورة دعم المرأة الريفية في مجال الزراعة والأمن الغذائي.
وقال سليمان: إن المرأة السورية لعبت دوراً محورياً في الاقتصاد بعد الحرب، وتحوّلت إلى فاعل اقتصادي أساسي في إعالة الأسر واستقرار المجتمعات، وعلى الرغم من التحديات، فإن الاستثمار في طاقات النساء وإزالة العوائق أمام مشاركتهن يمكن أن يشكّل ركيزة أساسية لإعادة إعمار الاقتصاد السوري وتنميته المستدامة.
الاستثمار في المرأة السورية
الخبير المصرفي إبراهيم نافع قوشجي قال في حديثه لـ “العربي الجديد”: إنه في مرحلة ما بعد التحرير، تبرز قضية مشاركة المرأة في سوق العمل كأحد المحاور الأساسية في النقاشات الاقتصادية والاجتماعية. وبينما تتجه بعض الأصوات إلى المطالبة بتمكين المرأة اقتصادياً عبر إدماجها في مختلف القطاعات الإنتاجية، لدى الخبير الاقتصادي وجهة نظر أخرى يراها لا تقل أهمية عن تمكين المرأة اقتصادياً؛ حيث يرى أن الاستثمار الحقيقي للمرأة لا يقتصر على دورها المهني، بل يتجلى في قدرتها الفريدة على بناء الإنسان، وتشكيل الأجيال، وترسيخ القيم التي تنهض بالمجتمع من الداخل.
ويتابع قوشجي كلامه بالقول: إن تطور المجتمعات لا يُقاس بحجم الاستثمارات المالية أو الثروات الطبيعية فقط، بل بمدى الاستثمار في الإنسان نفسه: في فكره، ووعيه، ونفسيته. وإذا كان الرجال غالباً ما يتولون أدواراً في الاستثمار المادي والإنتاجي، فإن للنساء دوراً لا يقل أهمية، بل يتفوق في الاستثمار البشري العميق في تربية الأبناء، وصياغة شخصياتهم، وبناء استقرارهم النفسي والعاطفي؛ فالمرأة التي تربي جيلاً واثقاً من نفسه، مشبعاً بالقيم، ومتوازناً نفسياً، تضع الأساس لمجتمع حضاري متماسك. وهذا الدور، وإن بدا غير مرئي في الحسابات الاقتصادية التقليدية، إلا أنه يشكل العمود الفقري لأي نهضة حقيقية.
عبء العمل المزدوج
أضاف قوشجي: في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات للعمل خارج المنزل، إلى جانب مسؤولياتهن المنزلية والتربوية. هذا الواقع يفرض عليهن أعباء مضاعفة، ويعرضهن للاستنزاف الجسدي والنفسي، ويؤثر على جودة الدور التربوي الذي يقمن به داخل الأسرة.
وأشار قوشجي إلى أن مطالبة المرأة بتحمل عبء العمل المزدوج دون توفير بيئة داعمة، أو إعادة النظر في أولويات التنمية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع. فحرمان المرأة من العيش بكرامة وتوازن ينعكس سلباً على الأجيال القادمة ويضعف النسيج الاجتماعي.
وتشير الإحصاءات العالمية إلى أن دخل الذكور لا يزال أعلى من دخل الإناث في معظم دول العالم، بما في ذلك الدول الغربية. هذا الواقع يعزز منطق “إعالة الأسرة” كدور تقليدي للرجل، ويمنح المرأة مساحة أوسع للتركيز على دورها التربوي والاجتماعي، إذا ما أُحسن تنظيم الأدوار داخل الأسرة. لكن هذا لا يعني، بحسب قوشجي، إقصاء المرأة عن سوق العمل، بل إعادة تعريف دورها الاقتصادي بما يتناسب مع خصوصية المجتمع، واحتياجاته، وظروفه. فالمشاركة الاقتصادية لا تعني بالضرورة الخروج من المنزل، بل قد تتجلى في أشكال متعددة من العمل المرن، أو الريادة من داخل البيت، أو المساهمة في الاقتصاد المعرفي والتربوي.
ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو نموذج تنموي متوازن، يعترف بقيمة كل من الأدوار الإنتاجية والتربوية، ويمنح المرأة حقها في العيش الكريم، سواء اختارت العمل خارج المنزل أو التفرغ لبناء الأسرة، كما يراه الخبير الاقتصادي.
ويختم كلامه: “إن تحرير الأرض لا يكتمل دون تحرير الوعي، وتحرير الوعي يبدأ من الأسرة. والمرأة بما تملكه من طاقة روحية وعاطفية وفكرية هي حجر الأساس في هذا البناء. الاستثمار فيها، ليس فقط كعاملة أو موظفة، بل كمربية ومؤثرة ومُشكّلة للهوية، هو ما سيصنع الفرق في مستقبل سورية”.
