أطلقت المفوضية الأوروبية تحقيقاً بشأن مدى امتثال شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، وعلى رأسها “أمازون” و”مايكروسوفت”، لقواعد الاتحاد الأوروبي المنظمة للأسواق الرقمية، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من تنامي نفوذ مزودي الخدمات السحابية وسيطرتهم على جزء حيوي من البنية التحتية الرقمية العالمية.
ويتمحور التحقيق حول دراسة ما إذا كان ينبغي تصنيف “خدمات أمازون ويب” (AWS) و”مايكروسوفت أزور” و”غوغل كلاود”، ضمن فئة “حراس البوابة” (Gatekeepers) بموجب قانون الأسواق الرقمية (DMA)، بما يفرض عليها التزامات إضافية تهدف إلى تحسين قابلية التشغيل البيني بين حلول البرمجيات المختلفة، وتسهيل نقل البيانات، والحد من تجميع الخدمات بطريقة قد تعيق المنافسة. ويشير مصطلح “حراس البوابة” إلى المنصات الرقمية الكبرى التي لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تتحكم فعلياً في مفاتيح الوصول إلى السوق، ما يمنحها نفوذاً واسعاً على الشركات المنافسة وعلى حركة المستخدمين داخل الفضاء الرقمي.
حتى الآن، ظلت شركات الحوسبة السحابية الكبرى خارج نطاق قانون الأسواق الرقمية، نظراً إلى اعتماد جزء كبير من أعمالها على عقود المؤسسات، الأمر الذي صعّب احتساب عدد المستخدمين الأفراد المتأثرين فعلياً، وهو معيار رئيسي في تطبيق التشريع. غير أن المفوضية الأوروبية تعكف حالياً على دراسة ما إذا كان هذا العائق لا يزال مبرراً، وما إذا كان موقع هذه الشركات في السوق يبرر فرض متطلبات إضافية عليها. وفي حال تقرر إخضاعها للقانون، فإن ذلك سيمثل أول توسّع فعلي للإطار التنظيمي الأوروبي ليشمل قطاع الخدمات السحابية الرئيسية. وتشير المفوضية إلى أن أي انتهاكات مثبتة لأحكام القانون قد تؤدي إلى فرض غرامات ضخمة قد تصل إلى 10% من الإيرادات السنوية العالمية للشركات المعنية، في حين سبق أن واجهت شركات مثل “آبل” و”ميتا” تهديدات بغرامات بمئات الملايين من اليوروهات على خلفية قضايا تنظيمية مشابهة.
انقطاعات عالمية تكشف الهشاشة
تزامن إطلاق التحقيق مع سلسلة من الانقطاعات التقنية الكبرى التي شهدها قطاع الحوسبة السحابية خلال الأشهر الأخيرة، والتي سلطت الضوء على درجة الاعتماد العالمي على عدد محدود من مزودي البنية التحتية الرقمية. وسجلت “خدمات أمازون ويب” انقطاعاً استمر نحو 15 ساعة، أدى إلى تعطل أنظمة معلوماتية لدى شركات كبرى مثل “آبل” و”ماكدونالدز” و”إيبيك غيمز”. كما شهدت منصة مايكروسوفت أزور أعطالاً خلال فصل الخريف الماضي، أثرت على عمليات تسجيل الوصول لدى خطوط ألاسكا الجوية، وعلى إجراءات التصويت داخل البرلمان الاسكتلندي. كذلك، سبَّبت “غوغل كلاود” انقطاعاً واسعاً خلال يونيو/حزيران الماضي، طاول خدمات مثل “سبوتيفاي” و”ديسكورد”. وأظهرت هذه الحوادث مدى هشاشة سلاسل الاعتماد الرقمي، والدور المحوري للخدمات السحابية بوصفها “بنية تحتية غير مرئية” لقطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي.
مخاوف من عرقلة انتقال العملاء وتعقيد المنافسة
تشير قراءات تحليلية إلى أن التحقيق الأوروبي سيركز على ما إذا كانت “أمازون” و”مايكروسوفت” تستخدمان نفوذهما السوقي لعرقلة انتقال العملاء إلى مزودين منافسين، وذلك عبر تعقيد إجراءات نقل البيانات أو فرض شروط تقنية وتجارية تحد من حرية الاختيار. وفي خطوة تؤكد مدى حساسية النزاع الأوروبي ــ الأميركي، تقدمت “غوغل” بشكوى رسمية ضد “مايكروسوفت” لدى المفوضية الأوروبية، متهمة إياها باستغلال نفوذها في سوق الحوسبة السحابية لعرقلة انتقال العملاء إلى منافسين. هذا النزاع، بين شركتين أميركيتين على الأراضي الأوروبية، يعكس حجم التركّز الهائل في البنية التحتية الرقمية العالمية، ويحوّل التحقيق الأوروبي من مجرد تدقيق تنظيمي إلى ساحة حاسمة للصراع على قواعد اللعبة الرقمية. من جهتها، أكدت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، تيريزا ريبيرا، أن الخدمات السحابية باتت تمثّل عنصراً أساسياً في تعزيز تنافسية الاقتصاد الأوروبي ومرونته، مشددة على ضرورة نمو هذا القطاع ضمن “شروط عادلة ومنفتحة وتنافسية”.
البعد الألماني
على المستوى الألماني، دعت الوزارة الاتحادية للشؤون الرقمية إلى تركيز أوروبي أقوى على تطوير تقنيات رقمية مستقلة، محذرة من مخاطر “التبعيات الأحادية الجانب” في البنية التحتية الرقمية. وقال وزير الدولة للشؤون البرلمانية في الوزارة، توماس يارتسومبيك، إن جزءاً كبيراً من الطلب الأوروبي على حلول الحوسبة السحابية يمكن تلبيته من قبل شركات ألمانية ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات. وتشير تقارير القناة الألمانية الثانية (ZDF) إلى أن ألمانيا لا تزال تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأميركية، في وقت تستثمر فيه “غوغل” و”مايكروسوفت” مليارات الدولارات في مراكز بيانات جديدة داخل البلاد، فيما تتعاون “دويتشه تيليكوم” مع شركة إنفيديا في مشاريع مرتبطة بالرقائق المتقدمة، ما يعزز نفوذ الشركات الأميركية ويزيد من تعقيد جهود بناء منظومة أوروبية مستقلة للذكاء الاصطناعي.
سيناريوهات ما بعد التحقيق مع “أمازون” و”مايكروسوفت”
من المتوقع أن تنتهي التحقيقات خلال فترة تمتد إلى اثني عشر شهراً. وإذا خلصت المفوضية الأوروبية إلى ضرورة إخضاع الشركتين لقواعد أكثر صرامة ضمن تصنيف “حراس البوابة”، فسيكون أمامهما مهلة تصل إلى ستة أشهر للتكيف مع المتطلبات الجديدة. وفي ظل هذا المسار، لا تزال القوانين الرقمية الأوروبية عرضة لانتقادات أميركية، إذ وصفها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأنها “مناهضة للمنافسة”، في سياق توترات مستمرة بين ضفتي الأطلسي بشأن تنظيم الاقتصاد الرقمي.
