صورة الفلاح في الثقافة المصرية

انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر مؤخراً مقطع فيديو لرجل، يسبّ آخر إثر مشاجرة على إحدى الطرق الزراعية في محافظة المنوفية، وما أثار الانتباه لم يكن المشاجرة نفسها، بل استعمال كلمة “فلاح” شتيمة مقرونة بمعاني الجهل والدونية. هذا الاستخدام ليس جديداً في الواقع؛ فصورة الفلاح في المخيال المصري ارتبطت دوماً بنظرة تحمل قدراً من الانتقاص، حتى في الفترات التي بدا فيها أن الدولة أو الأدب يرفعان شعارات تمجّده.

وإذا كان هذا المشهد يعبّر عن لحظة مأزومة، فإن تتبع جذور الصورة يكشف أنها لم تكن يوماً مستقرة أو محايدة، ومع تحولات السبعينيات الاقتصادية والاجتماعية، تعرّضت صورة الفلاح لمزيد من التصدع، إذ دفعت الظروف الاقتصادية أعداداً متزايدة من أبناء الريف إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى. وكما يشير محمد نعيم في كتابه “تاريخ العصامية والجربعة” (2021)، شهدت مرحلة الانفتاح ما يسميه “تاريخ السيولة الاجتماعية”، حيث ارتبط الارتقاء الطبقي الجديد بمحاولة التبرؤ من الجذور الريفية. ولم تعد العصامية تُفهم بوصفها جهداً شريفاً قائماً على الكفاح والتعليم والعمل، بل استبدلت بما يسميه “الجربعة”، أي التسلّق الاجتماعي عبر المظاهر الاستهلاكية والتنصل من الأصل الاجتماعي، وهو ما انعكس بوضوح في صورة الفلاح الذي صار عبئاً على أبناء الريف الصاعدين.

الحقيقة أن كلمة فلاح لم تكن يوماً بريئة من محاولات التنميط السلبية؛ لكن الجديد في مرحلة ما بعد السبعينيات أن التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي صار أكثر وضوحاً، بين صورة مثالية في الأدب والفن، وصورة دونية في التعامل اليومي، وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في اللغة، بل كان انعكاساً لانكسار مشروع الهوية الوطنية الذي منح للفلاح مكانة مركزية في السابق. وهنا، يوضح نعيم أن هذا التناقض هو تجسيد لطبيعة الاجتماع السياسي المصري، والمتمثل في شعارات تحتفي بالشعب، وبالفلاح تحديداً، بينما تُرسَّخ في العمق ثقافة التمايز والفرز الطبقي. الفلاح هنا يصبح مرآة لهذا التناقض، فهو بطل في الأغنية واللوحة، لكنه موضع سخرية في الشارع.

كلمة فلاح لم تكن يوماً بريئة من محاولات التنميط السلبية

إن فهم هذا التناقض لا يكتمل من دون العودة إلى البدايات، ففي مطلع القرن العشرين أتت أولى الدعوات إلى مشاركة الفلاحين في المجال العام من خلال الحركات الوطنية التي نشأت آنذاك، مثل “حزب الأمة” عام 1907، ثم جاءت ثورة 1919 لتمنح الفلاحين حضوراً رمزياً قوياً، سواء من خلال مشاركتهم المباشرة في المظاهرات أو من خلال الأغاني الشعبية التي جعلت من الفلاحة المصرية أيقونة للثورة. ويوضح محمد عبد الغني حسن في كتابه “الفلاح في الأدب العربي”، أن صورة الفلاح ظلت متذبذبة بين التمجيد الوطني في لحظات المقاومة، والتصوير الازدرائي حين يُختزل في الجهل والتأخر في لحظات أخرى، وهذا التذبذب يعكس علاقة الثقافة بالسياسة أكثر مما يعكس واقع الريف ذاته.

ومع ثورة يوليو 1952، تعزّزت هذه المكانة بصورة مؤسسية، عبر سياسات الإصلاح الزراعي التي هدفت إلى إعادة توزيع الأراضي وإنهاء هيمنة كبار الملاك. ورغم أن تلك السياسات لم تحقق المساواة الكاملة، لكن منحت الفلاحين إحساساً بأنهم باتوا في الخطاب الرسمي للدولة الناصرية، أحد الأعمدة الثلاثة للشعب المصري، إلى جانب العمّال والطلبة، وتجلّى ذلك في الأغاني الحماسية، وفي الفنون البصرية كما في أعمال قدّمها محمد ناجي وإنجي أفلاطون، وفي أفلام مثل “الأرض” ليوسف شاهين المأخوذ عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي بالعنوان نفسه، وإن ظل الفلاح في الفيلم يواجه مركب سلطات قاهرة. لكن هذا الانحياز لم يخلُ من الطابع الدعائي، وظل الريف يعاني ضعف البنية التحتية والخدمات، وبقيت الزراعة رهينة البيروقراطية، بموازاة قوّة حضوره في الخطاب الثقافي والفني قوياً، على الأقل حتى منتصف السبعينيات.

وضعت مسرحيات نجيب سرور الفلاح في مواجهة ذاته والسلطة معاً

إلى جانب الشرقاوي، أسهم يوسف إدريس في إبراز حياة الريف في قصصه القصيرة، حيث التقط تفاصيل التحولات الاجتماعية والنفسية لأبناء الفلاحين. لكن العلامة الفارقة جاءت مع نجيب سرور، الذي تجاوز النموذج البطولي التقليدي، ليضع الفلاح في مواجهة ذاته والسلطة معاً. في مسرحياته الثلاث: “ياسين وبهية”، و”آه يا ليل يا قمر”، و”منين أجيب ناس”، لم يقدّم سرور الفلاح بطلاً مطلقاً، بل باعتباره كياناً يحمل تناقضاته الخاصة، مهدّداً دائماً بالقهر لكنه أيضاً قادر على المواجهة والتغيير. آمن سرور بأن المصريين جميعاً فلاحون، من باب التذكير بجذور مشتركة لا يجوز إنكارها وتاريخ من النضال في مواجهة احتكار الثروة والسلطة، وجاءت رؤيته هذه بمثابة كسر للخطاب الدعائي الذي رسم الفلاح بصورة مثالية رومانسية. وأصرّ سرور على أن الفلاح ليس مجرد رمز، بل إنسان من لحم ودم، له نقاط ضعف بقدر ما له من طاقة على التمرد، ما جعل أعماله تتجاوز زمنها، وتظلّ حتى اليوم مرجعاً لفهم العلاقة الملتبسة بين المصريين وجذورهم الريفية. الدراما التلفزيونية التقطت هذا الخيط أيضاً ونسجت حوله صوراً متنوعة خصوصاً في الثمانينيات والتسعينيات، وتفاوتت شخصية الفلاح في الدراما المصرية بين القوة والرمزية، والبساطة والسذاجة، أو ربما ضحية لظروف اجتماعية قاسية. وفي بعض الأعمال الكوميدية، جرى تقديمه رمزاً للفكاهة أو الطرافة، وهو ما عزز أحياناً الصور النمطية بدلاً من نقدها.

وتشير دراسة مصطفى الضبع “صورة الفلاح في الرواية العربية في مصر (1953–1973)” إلى أن هذه الصورة انتقلت من موقع البطل المشارك في المشروع الوطني إلى موقع الضحية الممزقة بفعل التحولات الاقتصادية، فبعد أن كان رمزاً للعدالة الاجتماعية في الستينيات، صار مع السبعينيات وجهاً للخذلان الاجتماعي والسياسي. اليوم، عندما تُستعمل كلمة فلاح إهانة في الشارع أو في فيديو متداول على وسائل التواصل، تكشف عن تحوّل عميق في علاقتنا بجوهر أساسي في الهوية الوطنية المصرية. الكلمة التي ارتبطت يوماً بالحق في الأرض وبالتجذر في الهوية، أصبحت تحيل إلى شكل من التصنيف الاجتماعي، وهو لا يشير إلى تغيّر في استخدام اللغة وانزياحها فقط، بل إلى خللٍ في تصوّر المصريين لتاريخهم الجمعي وذواتهم في آن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *