في الخمسينيات، قدّم فيلم Sunset Boulevard للمخرج بيلي وايلدر، رثاءً لعصر السينما الصامتة ولأولئك النجوم الكبار الذين خبا بريقهم بعد دخول الصوت، وما صحبه من تغيّرٍ في مدارس التمثيل. ينقضي عصر ويأتي آخر حاملاً معه رموزاً ونجوماً آخرين.
بعد عقود، شهدت الموسيقى هذا التحول أيضاً عندما دخل الفيديو كليب إلى عالم الموسيقى، وأطفأ بريق مغنّي الراديو الذين لا يصلحون للظهور أمام الكاميرات، وحوّلهم إلى جزء من حالة نوستالجية يلجأ إليها الهاربون من الحداثة.
أغنية “الفيديو قتل نجم الراديو” (Video Killed the Radio Star) لفرقة The Buggles الصادرة عام 1979، كانت إعلاناً صريحاً عن انتهاء عصر الاستماع إلى الأغاني عبر الراديو وحده، وبداية عصر الفيديو كليب. هذا الشكل الجديد من الموسيقى ربط الصوت بالإيقاع البصري، وأحدث تحولات جذرية في صناعة النجومية وطريقة استهلاك الموسيقى، وأحدث نقلة جديدة في الفنون السمع-بصرية.
كانت أغنية “الفيديو قتل نجم الراديو” بمثابة مرثية لعصر كان محبو الموسيقى فيه ينتظرون بث أغانيهم على الإذاعات، وفي الوقت نفسه قدّمت رؤية استشرافية لما سيأتي بعده.
تحوّلت هذه الأغنية إلى حدث تاريخي عندما اختارتها قناة “إم تي في” (MTV) لافتتاح بثها الفضائي عام 1981، لتصبح بذلك بياناً عن بدء عصر الفيديو كليب الذي يُبث عبر الشاشة الصغيرة.
في لحظات الانطلاق الأولى، بثّت “إم تي في” صورة رائد فضاء يقف على سطح القمر، في محاكاة لصورة نيل أرمسترونغ الشهيرة، الفارق الوحيد أن العلم المرفوع على القمر يعلوه شعار قناة إم تي في بدلاً من العلم الأميركي، وترافقت هذه الصورة مع عبارة Ladies and gentlemen, rock and roll، قبل أن يبدأ عرض الأغنية الأولى. هذا الإعلان كان ينطوي على تحول جديد من شأنه أن يغيّر ثقافة البوب إلى الأبد، ويجعل من القناة حدثاً ثقافياً يعيد تشكيل الطريقة التي يستمع بها الناس للموسيقى، ويترك آثاراً عميقة في ثقافة البوب.
في البداية، كانت “إم تي في”، التي حدّدت اليوم يوماً أخيراً في عمرها، تقدم كل ما هو مختلف وخارج عن المألوف، وفي ما بعد جعلت من المختلف سلعة تستهلكها شريحة واسعة من الشباب المعولم كما يستهلكون الوجبات السريعة، وبذلك أحدثت اختراقاً ثقافياً له مواطن عدّة، فقد كان من أبرز محطاتها التاريخية عرض أول فيديو كليب لفنان أسود البشرة، وهو مايكل جاكسون مع أغنيته Billie Jean عام 1983، التي أُنتجت بميزانية كبيرة وبأسلوب سينمائي يحتوي على حبكة درامية، ومصور بتقنيات السينما، وعن طريقه رفعت “إم تي في” الكليب إلى مرتبة السينما، وبذلك حصّلت اعترافاً بسطوة الثقافة الشعبية وبإمكانية أن تكون الثقافة الشعبية أداة هيمنة سياسية وبصرية وعابرة للحدود في آن.
كان لـ”إم تي في” دور في إعادة تموضع الثقافة الغربية داخل المجتمع الغربي وخارجه، سواء عن طريق الفيديو كليب أو عن طريق برامج تلفزيون الواقع وبرامج التحديات والمواعيد الغرامية، تقدم لعموم المستهلكين بوصفها أسلوب حياة، وصار من يدير البث يملك الذوق العام، والمشاهد هو جزء من عملية الاستهلاك.
وعبر الفيديو كليب، ساهمت “إم تي في” بصياغة مفهوم المينستريم الحديث الذي يعني ثقافة الشريحة الواسعة، أو التيار العام المألوف في المجتمع. ومع أن القناة في بداياتها كانت قناةً بيضاء، إلا أنها سرعان ما أصبحت وسيلة سياسية لتجاوز حواجز العنصرية، لا سيما حين اضطرت لعرض كليبات Billie Jean وThriller لمايكل جاكسون تحت ضغوط والتر يتنيكوف، رئيس شركة سي بي إس ريكوردز الذي هدّد صراحةً بسحب كل كليبات الشركة من “إم تي في” بما فيها كبار مغنّي الروك، كما قدمت فرقة نيرفانا بمغنيها الشهير كورت كوباين غضب الطبقة البيضاء المهمّشة.
بذلك، كانت أول قناة موسيقية في العالم تعمل على مدار الساعة، مستثمرةً في تطلعات الشباب، وقد صاغت هوية عصرية عبر موسيقى البوب والروك آند رول والراب، وكذلك عبر برامج تلفزيون الواقع، فقد فهمت مبكراً أن أميركا ليست ثقافة واحدة، بل سوق أذواق، وأن الشباب يبحثون عن شيء يخصّهم وحدهم، خارج سلطة التلفزيون العائلي. بذلك، اقترحت القناة لغة يفهمها ويتذوقها جيل الشباب، وكان مقدمو برامجها من الفئة العمرية نفسها، والموسيقى التي تعرضها حديثة، في كسر متعمد لوقار قنوات التلفزيون التقليدية، وخلق خطاب يصل إلى جيل مهمش ليس لديه تمثيل سياسي. هكذا، امتلكت “إم تي في” سلطة رمزية كاملة، وعن طريقها تحرّر المراهقون من تلقين الآباء، وباتت القناة تمتلك أدوات إنتاج الذائقة وإعادة تدويرها.
مع التكرار اليومي للفيديو كليب، صارت “إم تي في” تفرز أنماطاً من السلوك الاجتماعي، بما فيه من اللباس واللغة، وصارت قاموساً ذوقياً لشريحة واسعة من الشباب. ونظراً إلى أنها رفعت لواء الحداثة، كانت “إم تي في” تسبق المزاج العام بخطوة؛ فهي منتجة له وليست مرآة فقط؛ فمع أواخر التسعينيات، صارت الفيديوهات مكلفة ومملة، فاستبدلتها ببرامج واقع رخيصة الإنتاج.
في مطلع التسعينيات قدمت القناة برنامج The Real World، الذي بدأ تجربةً شبه وثائقية عن مجموعة من الشباب يعيشون معاً في منزل واحد. كان البرنامج يهدف إلى عرض التفاعلات الاجتماعية والنفسية في بيئة مشتركة واقعية، شبيهة بالوثائقية.
وسرعان ما اكتشفت إدارة القناة أن المشاهد المثيرة للسجالات، والفضائح ترفع نسب المشاهدة كثيراً، ما غيّر توجة القناة من التركيز على الموسيقى والفن إلى التركيز على الدراما والجدل. أصبح البرنامج نموذجاً لما يُعرف اليوم بتلفزيون الواقع الذي ينبع فيه الترفيه من الصراع اليومي والسلوكيات الغريبة، وساعد The Real World في إعادة تعريف تلفزيون الواقع وألهم آلاف البرامج اللاحقة التي هددت في ما بعد خصوصية “إم تي في” نفسها.
خارج أميركا، كان حضور القناة ثقافياً واقتصادياً وتقنياً؛ فقد أتى مترافقاً مع موجة العولمة الإعلامية في التسعينيات، وانتشار الأقمار الصناعية، وتفكك احتكار البث الوطني، وصعود فكرة السوق العالمي الموحد. أطلقت القناة نسخاً أقليمية، مثل “إم تي في” آسيا وأوروبا، و”إم تي في” أميركا اللاتينية، وأخرى عربية.
وكان هذا جزءاً من العولمة الثقافية، وأمركة الذائقة العالمية؛ فالثقافة لم تعد تمر عبر أجهزة الدولة، وصارت أكثر تحرّراً من الرقابة الرسمية، وأمسى الشباب في الولايات المتحدة والعالم العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية يتلقون النموذج الأميركي عينه ونمط الحياة الغربية، إلى أن تفكك كل هذا مع صعود الإنترنت، وصار المينستريم ينتج عبر الإنترنت الذي أعطى المستخدمين شعوراً أكبر بالتحكم في ما يعرض عليهم، وكذا حجم العرض وتوقيته، إضافة إلى العامل الحاسم وهو التفاعل مع مادة العرض، وإنشاء محتوى خاص، وأصبح تلفزيون الواقع يوازي الفلوغات التي يمكن لأي من يمتلك كاميرا أن ينتجها بنفسه.
التاريخ لا يرحم، “يوتيوب” فعل بـ”إم تي في” ما فعلته هذه القناة بالراديو؛ إذ أعلنت القناة توقف بثها في اليوم الأخير من عام 2025 بعد أكثر من أربعين عاماً من انطلاقتها، وأتى قرار شركة “باراماونت غلوبال” (Paramount Global)، المالكة للقناة، نتيجة رغبتها في خفض التكاليف مع تركيز أكبر على برامج الواقع والمنصات الإلكترونية، في ظل منافسة شرسة تتعرض لها من منصات إلكترونية، مثل “تيك توك” و”يوتيوب”.
هذا ما يؤكده جيمس هايمان، أحد منتجي برامج “إم تي في” الأوروبية في التسعينيات، حين قال لفرانس برس إن “القناة بنت نجاحها في زمن كان الإنترنت لا يزال في مهده”. الأرقام أيضاً تؤكد هذا، فوفقاً لهيئة بارب (BARB) البريطانية، لم تستقطب “إم تي في” سوى 1.3 مليون أسرة بريطانية في يوليو/تموز 2025، مقارنةً بأكثر من 10 ملايين عام 2001.
