واجهة مزيفة لتصفُّح بريد إبستين: الفضيحة مُتاحة بأناقة

لم يعد من السهل تتبع ما تنشره وزارة العدل الأميركية من “وثائق إبستين”، إثر المماطلة والصراع مع إدارة ترامب ومع متنفذين مجهولين يحاولون منع النشر. اللافت في الأمر، تلك الوثائق التي تُنشر على دفعات غير متوقعة، لتدخل وسائل الإعلام في بلبلة ولعبة ضد الزمن في محاولة لإيجاد القصة “الأدسم”.
هذا التخبط وصعوبة البحث بين الصور ورسائل البريد الإلكتروني، يتركنا أمام ما تختاره وسائل الإعلام، وما تحاول أيضاً وزارة العدل تصديره، إذ اتهمها الديمقراطيون بأنها تركز على صور محددة، للإساءة إلى صورة الحزب، ويتمثل ذلك في صور بيل كلينتون المتنوعة.
لكن، فجأة ظهر أمامنا موقع غيّر “قواعد اللعب”، إذ صمّم مهندس معلوماتية أميركي، يبلغ من العمر 26 عاماً، واجهة مزيفة، تطابق حساب “جي ميل” (Gmail) لكن باسم “جيه ميل” (Jmail)، تحوي كل الملفات مرتبة ومنسقة. ووفقاً لما صرّح به المصمم لمجلة “رولينغ ستون”، فإنّ الهدف من هذه الواجهة هو اكتشاف عادات إبستين اليوميّة، ما قد يقدم لمحة عما يدور في عقله.
يقول المصمم إنّه وشريكه أنجزا “المشروع” بخمس ساعات فقط باستخدام الذكاء الاصطناعي. واللافت أن الواجهة المزيفة، لا تكتفي بالصور والبريد الإلكتروني، بل هناك قائمة مشتريات جيفري إبستين عبر “أمازون”، وسِجلّ تحركاته بالطائرة، والموسيقى التي يستمع إليها أيضاً. إتاحة هذه المعلومات تتركنا أمام النسخة الرقمية من إبستين نفسه، وكأننا نقف في قحف رأسه، ونحدق عبر عينيه في شاشة حاسوبه.
تبدو الواجهة التي تضمّ هذه الوثائق وكأننا أمام اختراق لبريد إبستين، نتأمل ملايين “الوثائق” المتاحة بسهولة شديدة، لنكتشف فيها أدق تفاصيل حياة المجرم المدان. بصورة ما، نحن أمام تجربة فريدة من نوعها لتصفح هذا النوع من الملفات، وأسلوب مختلف عن ذاك الذي عرفناه مثلاً مع “ويكيليكس”، إذ كانت الملفات تنشر بشكلها الصرف، نستطيع البحث فيها، لكنها غير “مقدّمة” بأسلوب، على الأقل، كما في حالة إبستين، يمكننا القول إنّه ممتع.
لن نخوض في محتوى الملفات، بل نناقش “الشكل” الذي تقدم به، الشكل المشابه لما اعتدنا استخدامه يومياً، لكن هذه المرة نحن أمام أدلة جنائية، كل واحدة من الصور والملفات تكشف علاقة مشبوهة، مرتبة بأسلوب يتركنا أقرب إلى المتلصصين، نتتبع الحركة والموسيقى وطريقة تفكير إبستين وما يدور في عقله، كأننا نحدق في شاشته. ولعلّ نشرها بهذا الأسلوب يفتح الباب أمام “المحققين الهواة” لنبش ما لا يخطر على البال من حكايات.
سهولة البحث هذه، وتوافر المعلومات وتصفّحها يحرر هذه “الوثائق” من الخطاب المؤسساتي والإعلامي، ليمسي كل شيء “مباحاً” أمام كل من يريد التصفح، بعكس الذي حدث سابقاً، كما في حالة إدوارد سنودن، إذ لم يسرب كل شيء، بل أنتجت قصص صحافية متعددة، كي تكون موجّهة بدقة لفضح ممارسات السلطات في الولايات المتحدة الأميركية. أما اليوم، فكل شيء مباح بشكله الفج، مُرتّب أمام العامة للاطلاع على تفاصيل واحدة من أشهر نظريات المؤامرة التي امتدت لأكثر من عشرين عاماً.
أسلوب النشر هذا نفسه، سيضاعف العمل أمام الصحافيين والمحققين، لأنهم اليوم أمام منافسة مع “الجميع”، أي كل من يمتلك وقت فراغ ليغرق في الملفات ويبحث، وربما هذه بالضبط استراتيجية وزارة العدل الأميركية، إذ تتمثّل بإغراق الناس والفضاء الإلكتروني بملايين الصور والوثائق التي ستحول عملية جمع الأدلة وتوجيه الاتهام إلى قضية شعبوية. نحن أمام أمر شديد السرية بات متاحاً للجميع، يتنافس فيه عشاق نظرية المؤامرة مع المحققين والصحافيين.

لكن، على الرغم من كل هذا، ضحايا إبستين ما زالوا غاضبين، ويرون أن ما يحصل مجرد محاولة تمييع للقضيّة، إذ تقول جيس مايكلز، الناجية من جزيرة إبستين: “أمام الجميع وبعد قانون من الكونغرس، يتكرر التأخير والإهمال والفساد وضعف الكفاءة، الأمر نفسه الذي شهدناه سابقاً وأشرنا إليه، إنهم ببساطة يثبتون وجهة نظرنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *