شهدت أوروبا، خلال قرنين، خمس موجات من التحوّلات الكبرى: الأولى القضاء على الإقطاع والانتصار الحاسم للرأسمالية في أواخر القرن الثامن عشر. والثانية القضاء على تجارة الرقّ في مؤتمر بروكسيل في عام 1890. والثالثة القضاء على الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية. والرابعة الشروع في القضاء على الدكتاتوريات: سالازار في البرتغال، وفرانكو في إسبانيا، وماركوس في الفيليبين، وضياء الحق في باكستان… إلخ. أما الموجة الخامسة، والتي ما برحت تغمرنا بعتوّها، فهي القضاء على الدول التاريخية في سياق حروب الإثنيات والطوائف والهويات المتناحرة كما حصل في العراق، وما يحصل اليوم في سورية واليمن.
في ملاعب هذه المباريات الدامية، المذكورة آنفا، راحت تتنزل علينا في كل يوم مقالات مروّعة في عقمها المعرفي والتاريخي عن بني أمية وعودة مجد الشام واستعادة روح الشام إلى بلاد الشام، أو عودة سورية إلى ذاتها. وكل ما في تلك المقالات “قال وقيل لا يُغني قدر فتيل”؛ فالكلام فيها عجبٌ والبيان خشبٌ والمعلومات تثير الغضب.
لم ينشأ في المشرق العربي، خصوصاً في البلاد الشامية، وعي قومي عميق الجذور، ولم تظهر الدولة الحديثة في هذه البلاد في سياق تاريخي متدرج
الحديث عن عودة بني أمية (وأنا أمويٌّ سوسيولوجيًا) واستعادة مجد الشام خبالٌ خالص، لأن لا شيء يندثر ثم يعود: لا الدولة الراشدة، ولا دولة بني أمية، ولا دولة بني العباس، ولا دولة المماليك ولا دولة الاندلس ولا دولة الخلافة العثمانية. وهذا الانتشاء بأفكار التغلّب إنما هو تعبير عن نزعة طائفية مقيتة تتجسّد حالياً في من يزعمون إنهم يريدون أن يستخلصوا السلطة في الشام من أيدي “مغتصبيها” غير “الشوام”. والعجيب أن من المتغلبين الذين صاروا أصحاب الشوكة في الشام اليوم من هم ليسوا من أهل الشام على الإطلاق، مثل الإيغور والطاجيك والأوزبك والزنكيين والشيشان والأفغان والبلوش وتركمان الأمصار البعيدة والقريبة. ومن دروس التاريخ الوسيط والحديث أن من شأن إضفاء التطابق بين الأكثرية العددية (السُنّة) والسلطة الحاكمة أن يجرّ الأمور إلى منازعات أهلية وإلى تحالفات وتخالفات، أو إلى ميول انفصالية (لنتذكّر أحوال السودان واليمن والعراق ولبنان وسورية الآن).
لم ينشأ في المشرق العربي، خصوصاً في البلاد الشامية (لبنان، الأردن، فلسطين، سورية) وعي قومي عميق الجذور، أو ذو أغصان متينة. ولم تظهر الدولة الحديثة في هذه البلاد في سياقٍ تاريخيٍّ متدرّج، بل ظهرت على أيدي المستعمرين الأوروبيين، وفي غمرة الانهماك في تصفية التركة العثمانية، وبالتوازي مع الاقتحام الإمبريالي للمشرق العربي وتقسيمه على أسس دينية وإثنية ومصالح اقتصادية واستراتيجية. ولم يكن مستغرباً قط أن تتناسل العائلات الحاكمة في الشام من عائلات غير عربية في أصولها البعيدة ولو أنها استعربت إلى حد كبير. فآل المرادي في دمشق من سمرقند، وآل البخاري من بخارى، وآل الأفغاني من أفغانستان وآل العظمة تركمان، وآل العظم أتراك، وآل مردم بك أرناؤوط. ومن الكرد آل الأيوبي واليوسف والزركلي وظاظا والإيبش وبوظو وشمدين وأغريبوز والعابد. ويمكن أن نضيف آل الأتاسي الحماصنة (شركس) وآل البرازي الحمويين (أكراد) والقوتلي والشيشكلي ومشايخ الطرق الصوفية كالنقشبندية والخلوتية والرفاعية والمولوية… إلخ. ولم يكن ذلك مدعاة للغرابة أو حتى للتساؤل في أي فترة على الإطلاق؛ فسورية ذات إثنياتٍ شتى (كرد وشركس وتركمان وأرناؤوط وأرمن وداغستان وفرس وهوّارة)، وفيها مذاهب عدة (سُنّة وشيعة وعلويون ومرشديون ودروز وإسماعيليون وأحمديون وأيزيديون ومسيحيون وكان ثمة يهود أيضاً). وقد عاش الجميع مواطنين في نطاق الدولة الحديثة شبه العلمانية التي ورثت مؤسّساتها من المملكة العربية السورية التي أنشأها الملك فيصل الأول ورفاقه الأوائل، مع أن تلك التشكيلات الزعامية حافظت، في أحد جوانبها السلبية، على تذرّر المجتمع، ورسّخت فيه الوعي الأقوامي لا القومي. أما أن تتحوّل الشام اليوم إلى ولاية تُحكم بمنهاج السلفيين الجهاديين فهذه داهية شديدة الخطر على المكوّنات السورية كلها بما في ذلك السُنّة، بل هي نازلةٌ ماحقةُ مثل ثريد الزقّوم أو معجون الثوم حين ينزل في البلعوم. هذا من باب ما كان في أي حال، أما من باب ما سيكون فيشير إلى أن سورية لا يمكن أن تُحكم إلا بدولةٍ علمانيةٍ أو بمقادير من العلمانية والديمقراطية، وإلا تحولت إلى الدكتاتورية سريعًا، وتكون سورية، في هذه الحال، كأنها خرجت من بيت دقّو إلى بيت لقّو.
العَلمانية والديمقراطية موجودتان لدى النخب المدينية المتنورة، وهي نخب غير محدودة العدد لكنها قليلة التأثير
نستذكر في هذه الليالي الدامسة والأيام التاعسة المفكر السوري الألمعي، ياسين الحافظ، لعلنا نسترشد بما كان يُرشد، أو نهتدي بهديه ونستضيء بسراج رأيه. يقول: “إن الانصهار الاجتماعي متوقفٌ على الأكثرية [السنية] وبيدها، إلا أنه مرتبط، أساساً، بوعيها التاريخي. فما لم تعِ [تلك الأكثرية] دورها التاريخي، وبخاصة ما لم تعِ الطابع الانفجاري والملحّ لمسألة الأقليات، وأن حلّها هو حلٌّ اندماجي يبدأ في المجتمع وبه، أي أنه، بالتالي، حلٌّ ديمقراطيٌّ ومستقبلي، فإن [الأكثرية] تتحوّل إلى حزب أقلية، غالبة عددياً (…) لتغدو الطائفة الأكثر عددأً بين مجموعة طوائف متساكنة في توجس” (أنظر: ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجية، بيروت: دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1979، ص 184). ويضيف ياسين الحافظ: “مشكلة الأقليات هي إحدى تظاهرات مشكلة الأكثرية ومعيار وعيها الديمقراطي” (ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، الأعمال الكاملة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 1141). وقبل نحو خمسين سنة، رأى الحافظ “إن تغلغل المفاهيم العَلمانية في الصف الإسلامي بوجه عام، وفي الصف السُنّي بوجه خاص، يشكل الشرط الأول والأساسي لتحديث المجتمع العربي وعلمنته. فالتجربة التاريخية للعديد من الشعوب أثبتت أن المفتاح إلى العلمنة موجود لدى الأكثرية” (المصدر السابق، ص 1094). ويستطرد: “إن مسألة التقدّم العربي تصبح أقلّ صعوبة بقدر ما تتجاوز الإنتلجنسيا الأكثرية وعيها الطائفي الضمني إلى وعي قومي عربي علماني وديمقراطي” (المصدر السابق، ص 1140). ويخلُص ياسين الحافظ إلى الاستنتاج: “صاحب القرار التاريخي في تقدّم الأمة العربية هو، من حيث الأساس، القوم السني، ليس فقط لأنه القوم الأكثري والمديني، بل أيضاً لأنه القوم الذي يتمتّع تاريخيّاً بروح المسؤولية القومية” (المصدر السابق، ص 1139).
كلام ياسين الحافظ عن السُنّة العرب، خصوصاً السُنّة في سورية، لكونهم قوماً أكثرياً، نصفه صحيح ونصفُه تمليح. فالقول إنهم قومٌ مديني ليس دقيقاً تماماً. فالسُنّة في سورية ريفيون أيضاً، وذوو وشائج وروابط عشائرية وعقيدية كذلك، ولا سيما في حوران والرقّة وإدلب والقنيطرة، فضلاً عن دير الزور والميادين والبوكمال والحسكة. والسُنّة الفلاحون في أرياف دمشق وحمص وحلب، علاوة على أشقّائهم في تخوم البوادي المروية، هم أكثر عدداً وأكثر انتشاراً من سنة المدن التاريخية كدمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية. وقد لاحظ ياسين الحافظ في هذا السياق، ببصيرةٍ ثاقبة، أن السُنّة في سورية يتمتّعون بوعي أقوامي (من قوم) لا بوعي قومي (من قومية)، وهذا صحيحٌ إلى حد بعيد؛ فالسُنّة في المدن، وبالتحديد في دمشق وحلب، كانوا عثمانيي الهوى قبل مائة عام، وقد وقفوا ضد الملك فيصل الأول لأنهم رغبوا في حكم سورية وحدهم لا مع فيصل ورجاله من بدو الحجاز وضباط العراق ودروز حوران. ولهذا تعاونوا مع الفرنسيين (الأمير سعيد الجزائري وعبد الرحمن اليوسف وعلاء الدين الدروبي وعطا الأيوبي وعبد القادر الخطيب وغيرهم). فالمهم هو ضمان حكم الشام وازدهار تجارتهم ومحاصيلهم (أنظر: صقر أبو فخر، أعيان الشام وإعاقة العلمانية في سورية، بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، 2013).
أين نعثر اليوم في معمعان الصراعات المحتدمة في سورية بين البداوة والفلاحة، على العَلمانية والديمقراطية لدى “القوم السُنّي؟”. العَلمانية والديمقراطية موجودتان بالتأكيد لدى النخب المدينية المتنوّرة، وهي نخبٌ غير محدودة العدد، لكنها قليلة التأثير. أما العلمانية والديمقراطية، واستطراداً الليبرالية، فلا يمكن العثور عليها أبداً لدى “القوم” المتناثر وطنيّاً من جهة، والمترابط قرابيّاً ووشائجيّاً وعقيديًّاً من جهة أخرى. والأكثرية (السُنّة ضمناً) لم تحاول، باعتبارها جماعة سياسية، أن تصوغ مشروعاً سياسيّاً ديمقراطيّاً يطمئن الأقليات، ويتيح لها أن تكون جزءاً فاعلاً وحيويّاً من المجال العام ومن المواطنة في آن. بل إن الأقليات، بمعنى ما، هي التي قدّمت، من خلال بعض أَعلامها، رؤى وتصوّرات ومشروعات لبناء الدولة والسلطة معاً، أمثال الحزب الشيوعي بقيادة الكردي خالد بكداش، والحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة الأرثوذكسي أنطون سعادة، وحزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة المسيحي ميشال عفلق. وعلى هذا المنوال، غزل الفكر القومي شرانقه على أنوال: علي ناصر الدين (درزي) وزكي الأرسوزي (علوي) وقسطنطين زريق (مسيحي)، علاوة على فرنسيس المرّاش وفارس الخوري والأب الياس زحلاوي وإدمون رباط وبدوي الجبل ويوسف شُلحت وأدونيس وسعد الله ونوس والمطران القتيل يوحنا إبراهيم ومحمد الماغوط ومئات غيرهم.
انجرفت جماعات ليست قليلة من السُنّة لا نحو العَلمانية والديمقراطية كما تمنّى ياسين الحافظ، بل نحو الإسلام السياسي
الواضح، بكل أسف، أن الغرس لم يثمر والليل لم يُقمِر، فقد انجرفت جماعات ليست قليلة من السُنّة لا نحو العَلمانية والديمقراطية كما تمنّى ياسين الحافظ، بل نحو الإسلام السياسي. وزاد الانجراف بعد هزيمة 1967 (وتزايد بعد وفاة جمال عبد الناصر)، وصارت المملكة العربية السعودية والوهابية مرجعية هؤلاء، وربما راح بعضهم يتحول منذ فترة إلى تركيا. ولو اقتصر الأمر عند هذا الحد لهان الوجد، لكن مجموعات متزايدة العدد في فيافي بلاد السُنّة وبواديها وأريافها وسوادها صارت داعشية علناً، أي سُنة ضد السُنّة، وسُنّة ضد الشيعة وضد جميع الأقليات.
كان صعود الإسلاميين في سورية، وفي مصر أيضاً، في أحد وجوهه، تعبيراً عن الاحتجاج المكتوم على الضرر السياسي والاقتصادي الذي لحق بفئاتٍ مدينيةٍ وريفية (مُلّاك الأرض) من إصلاحات عبد الناصر وحزب البعث، ومن التأميمات وتقليص الملكيات الزراعية الكبيرة. ولم يكن ذلك غريباً ألبتّة؛ فالطبقتان، الوسطى والرأسمالية، في ألمانيا خافتا من وصول الشيوعيين إلى الحكم بعد ثورة 1919 الفاشلة (روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكينخت)، فتحالفتا مع النازية لمنع وصول الشيوعيين إلى السلطة. والكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا تحالفت مع الجنرال فرانكو لمنع وصول الاشتراكيين إلى الحكم في أثناء الحرب الأهلية عام 1936. وفي سورية، أثار الإسلاميون الجدد مخاوف العَلمانيين واليساريين والأقليات، فوقف هؤلاء إما موقف الحياد المشوب بالخوف من الإسلاميين الجهاديين، أو انحازوا إلى السلطة الحاكمة التي تظل، في نظرهم، بجميع المقاييس، أقلّ وطأةً من الإسلاميين الجدد، سيما أن الخوف، في هذه الحال، لا يتعلق بالسلطة والسياسة، بل بالرؤية الإيمانية في شأن قضايا الحياة والمجتمع والدولة، فديدن الإسلاميين الجدد اليومي الكلام على تغيير أنماط الحياة في المجتمع (فرض القواعد الإسلامية)، وإضفاء الأسلمة على الدولة (الدستور والقوانين)، وعلى الثقافة والحياة اليومية (تغيير سلوك الناس وضبطه باسم الشريعة)، واستخدام مؤسّسات الدولة عند الوصول إلى الحكم لإحداث ذلك التغيير. فلا عجب إذاً من وقوف اليساريين والعلمانيين والأقليات ضد وصول الإسلاميين إلى السلطة، وضدهم عندما تسلطوا على الدولة، علماً أن تلك القوى لم تقف، بالضرورة، إلى جانب السلطة القديمة، بل كانت غايتها إعاقة وصول الإسلاميين إلى الحكم فحسب. ويتأكّد اليوم، بعد هذه التحوّلات المريعة والمروّعة، أن الاستبداد الديني أخطر بمئات المرات من الاستبداد العسكري أو السياسي. والاستبداد الديني يعتقد أن في إمكانه أن يسوق العربة (أي يحكم البلاد) بدولابٍ مربّع، وهذا من المحال إلا عند المطبّلين الجدد الذين لا يملك الواحد منهم من العقل قليلاً أو من الحكمة فتيلًا، فكيف له إلى المعرفة سبيلًا ليرى عسيس نيران الطوائف وهي تستوي وتلتوي وترفع العلم الإسرائيلي استعداداً لإحراق مَن يهين هويتها وعقيدتها حتى لو تطايرت البلاد في كل اتجاه؟
