لا شيء يفضح المرء مثل ارتجافةٍ تخونه في لحظةٍ عابرة، لذلك يتدرّب كثيرون على ترويض وجوههم كي تبقى ثابتة أمام الآخرين، كأنها جدران لا يعلوها صوتٌ ولا يتسرّب منها ضوء. ومع ذلك يبقى الداخل يغلي بطريقته، يطالب بالاعتراف، ويقرع باب القلب كلما اشتدّ عليه الضُّرّ، لكن صاحبه يتظاهر بأنه لا يسمع شيئاً. تلك المسرحية الصامتة التي نؤدّيها كل يوم ليست رفاهية ولا نزقاً اجتماعياً، بل محاولة قديمة لحماية ما تبقّى من كرامتنا في زمن لم يعد فيه الجرح مقدّساً، ولا الضعف سرّاً يُصان.
أحياناً، يشعر المرء بأن روحه تشقّقها يدٌ خفية، ومع ذلك يخرج إلى الناس بملامح مصقولة، كأنه يتجوّل في سوقٍ يبيع فيه كلّ عابرٍ رأياً، ويشتري فيه البعض آلام الآخرين بثمنٍ بخس من الفضول أو الشماتة. الوحدة هنا ليست غياب البشر، بل حضورهم بطريقةٍ تُشعر المرء أنّ أنينه سيُستقبل كخبرٍ طازج، لا كصرخةٍ تطلب سنداً. لذلك يتعلم بعضنا أن يبتسم، لا لأن الابتسامة تليق بالمشهد، بل لأنها الحاجز الأخير الذي يحول دون سقوطه أمام أعينٍ لا ترحَم.
ليس صعباً أن نكتم وجعاً صغيراً، لكن المعضلة تكمن في تلك الشروخ التي تكبر بصمت، ثم تستقرّ في أعمق الطبقات، وكأنها تعقد مع الجسد هدنةً طويلة. ومع ذلك، يستمر المرء في التزيّن بالنور المهيّأ للآخرين، يوزّع الطمأنينة المصنّعة، ويمنحهم نسخةً محسّنة من حاله، بينما يخفي النسخة الحقيقية في درجٍ داخلي لا يملك مفتاحه سواه. هنا يصبح الصمت مهارة، والابتسام تمريناً يوميّاً، والإخفاء شكلاً من أشكال النجاة.
اللافت أن القلوب التي تستحق أن نكشف أمامها جراحنا قليلة جدّاً، تكاد تُعدّ على أصابع اليد، بينما يملأ الباقون المشهد بأصواتٍ لا تعرف ماذا تفعل بالوجع سوى استثماره. وهناك نوعٌ من الشماتة لا يظهر صراحة، لكنه يُقرأ في نظراتٍ تقدّم المواساة ببرودٍ يحوّلها إلى طعنةٍ مؤدّبة. تلك اللحظة التي يفهم فيها المرء أن جرحه ليس محلّ ترحيب، وأن عرضه على الآخرين قد يضاعف آلامه بدل أن يخفّفها، هي اللحظة التي يتقن فيها إخفاء كل شيء، لا بدافع الجبن، بل بدافع الحكمة التي تأتي متأخرة لكنها تأتي.
ومع طول هذا التمرين، يكتشف المرء أن القلب ليس مخزناً للحزن فقط، بل مختبرٌ لتمييز البشر. من يقترب ليواسيك حقاً يلمس شيئاً في داخلك، من دون أن يطلب التفاصيل، ومن يقترب بدافع الفضول يسرق منك ما تبقى من قوةٍ لم تكن مستعدّاً للتنازل عنها. وهكذا، شيئاً فشيئاً، يتعلم المرء أن الابتسامة المؤقتة أرحم من الحديث الطويل، وأنه ليس مضطراً لفتح دفاتر عذاباته أمام كل من يطرق بابه، فالطرقات ليست كلها صادقة، وبعضها يُفتح على رقصٍ فوق الجرح.
رغم كل هذا الحرص، يبقى في القلب ركنٌ يعرف أنه يستحق أن يُرى. يظلّ ينتظر لحظة نادرة يمرّ فيها شخصٌ يلتقط تلك العلامة الخفية التي نحاول إخفاءها بجهدٍ كبير، لحظة لا تشبه الشفقة ولا تشبه الفضول، بل تشبه عرفاناً صغيراً يربّت على الروح، ويقول لها إنكِ لستِ وحدك. وحتى إن تأخّرت تلك اللحظة، فإن اكتفاء المرء بذاته يبقى سنداً لا يُخون، وصمتُه يصبح أشبه بملاذٍ داخلي لا يعبُر إليه سوى من يعرف قيمة الباب الموارب على حقيقته.
هكذا يعيش المرء بين ابتسامةٍ يحمي بها ما تبقّى من كرامته، ووجعٍ يخفيه كي لا يتحوّل إلى مادةٍ يتسلّى بها الغرباء، وبينهما مساحة خفية تتكوّن فيها نبرة الحياة الأعمق؛ تلك التي تذكّره بأن قوة الروح لا تُقاس بقدرتها على الصراخ، بل بقدرتها على النجاة من دون أن تتخلى عن نورها، ولو كان ذلك النور مجرّد شرارةٍ صغيرة لا يراها أحد.
