رواية “أريكاز” (دار نوفل، بيروت، 2025) للكاتب الفلسطيني – الكندي شاكر خزعل جديدة على الرواية العربية. صاحبها، الذي يعمل في كندا رئيساً لشركة متخصصة في الإعلام الرقمي، يؤلّف رواية ليست بعيدة عن اختصاصه. “أريكاز” منشأة قامت عام 2048، أي بعيداً عن زمننا الحالي، بعد عامين من وباءٍ سبرانيٍّ حطّم جزءاً من البنية الرقمية.
نحن في فترة لاحقة للذكاء الاصطناعي؛ رواية شاكر خزعل تدور في مستقبل قريب، لكنه ليس أيَّ زمن. الذكاء الاصطناعي يمنحها تلك القدرة العجائبية التي تسمح في “أريكاز” باستعادة الذاكرة بدءاً مما قبل الولادة، استعادتها في مشاهدها البصرية وطواياها النفسية والفكرية. لكن “أريكاز” ليست فقط هذه الأعجوبة العلمية. إنها، وهي تطالعنا بسحرها وغريبها، تبني عليها رواية كاملة. بل إن فنية هذه الرواية وأدبيّتها تمتحان كثيراً من الركيزة العلمية، بل تقدران على أن تجدا لهذه الركيزة شعريتها. أي أن شاكر خزعل يذهب بعيداً في العلم بقدر ما يذهب بعيداً في الرواية.
تبدأ الرواية من موقع متواضع للغاية ولا يُبشِّر بالنهايات الباذخة لها. هذا التواضع مقصود في عمل يوازن دائماً بين التناقضات ويبني عليها. شريف ابن بوّاب وخادمة، وهو لِأمرٍ ما لم يتعلم القراءة، أميٌّ لكنه بفضل علاقاته يتكلم الإنكليزية ويتقنها. هذا الازدواج يتعزز أكثر حين تختاره جنيفر أتيكسون، العالِمة في أريكاز، منشأة الذاكرة، لاختبارٍ في 90 يوماً يتقاضى عليه 90 ألف دولار. هذه مفاجأة صغيرة أمام تلك التي ستنتظر شريف؛ إذ في الاختبار يكتشف أنه ابن متبنّى، ليس أبوه ولا أمه أبويه الحقيقيَّين. حمله والده من القمامة بعد أن تركته أمه الحقيقية، نور.
خيالٌ روائيٌّ يستعير من الأدب بقدر ما يستمدُّ من العلم
تكون قصة نور حين نتابعها: هي اللبنانية الشيعية التي تتواصل، عن طريق فيسبوك، مع نيكولاس، وتحتال بعد وقت على والديها لتقابله في قبرص، حيث يتبيّن لها أنه إسرائيلي يدعى ناداف. تستهول الاكتشاف لكن الحبّ العارم يجعلها تقبل ناداف وتلاقيه من جديد في دبي. المفاجأة أنها، عند عودتها إلى لبنان، تُعتقل وتُتَّهم بالخيانة ويدور حولها لغط كبير. تتدخل السفيرة الأميركية وتكلّف محامية بمتابعتها.
تخرج من السجن لتكتشف أنها حامل من ناداف، لكنها بعد ذلك تختفي تماماً؛ ترتدي حجاباً فضفاضاً وتتسوّل وتقيم في خرابة وتولّد نفسها بنفسها. ترمي الطفل في القمامة ليجده جامع قمامةٍ يغدو أباه، أمّا نور الأم فتمرض وتنتحر. لقد خانها الجميع، بما فيهم ناداف عشيقها. يشاهد شريف ذلك بحسرة ويعزم على الانتقام من ناداف والده البيولوجي.
نحن هكذا في الذكاء الاصطناعي، لكننا أمام رواية كاملة، ليس فقط الطريق إليها. إن الذكاء هنا رواية أيضاً، بل صانع روايات، وسيكون في تالي الرواية بطلها الحقيقي. في العام بعد 2048، وبعد أن حلّ السلام في الشرق الأوسط، تسافر أتيكسون وشريف إلى حيفا للقاء ناداف وإقناعه باختبار الذاكرة الذي يوافق عليه.
في هذا الاختبار كانت أتيكسون تنوي، مراعاة لشريف ورغبته في الانتقام، أن تمحو ذكريات ناداف السعيدة، وتُبقي فقط على المؤلم منها لتتركه هكذا في غم دائم. نحن بذلك أمام الذكاء الاصطناعي الذي لم يعد فقط علماً، بل صار أداة انتقام، صار مادة للتلاعب، وليس بعيداً عن الكذب؛ أي إنه لا يساير فقط الإنسان ويعيده إلى نفسه وذاكرته وأصوله، بل يتمتّع هو نفسه بحضور إنساني ودرامي.
لدى الاختبار تعلم أتيكسون أنه كان حبيباً حقيقياً لنور، لم يتخلَّ عنها، وقد اتصل بالسفيرة الأميركية لمساعدتها لكنها اختفت وانتحرت، الأمر الذي لا يزال مصيبته الأولى وعقدة حياته.
الذكاء الاصطناعي هو البطل الآن؛ إنه ذراع الحقيقة وترسها. لم تعد لدى أتيكسون الرغبة في الانتقام، لكن العلم لا بد أن يتم، وتقنية المحو لا بد أن تتحقق، لذا تسلّط التقنية على نفسها فتمحو ذاكرتها هي.
نعلم فيما بعد، وفي مفاجأة روائية خالصة وباهرة، أنها هي الابنة الحقيقية لنور، وأنها تلاعبت بالذكاء الاصطناعي الذي يمكنه الآن- يمكن للعلم- أن يكون محلاً للّعبة. جعلته يكذب على شريف وتلاعبت به واحتالت عليه. لكن القصة لا تنتهي هنا؛ إنَّ للذكاء الاصطناعي إيجابيته أيضاً، بل ونعمته وتدخله الصحيح في حياة الآخرين؛ فبفضله يغدو شريف عالماً ومفكراً. هكذا نجده وقد صار مادة للخيال، صار شخصاً في الرواية وبطلاً روائياً.
نحن الآن أمام سحر جديد؛ لا نعرف ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله في الفكر وفي الأدب، لكنّه سحر العصر، خيال اللحظة، أسطورة اليوم.
