معاناة يومية لسكان غزة من أزمة الوقود… وتعطّل البلديات

لم يعد نقص الوقود في قطاع غزة أزمة عابرة أو طارئة، بل تحول إلى محور معاناة يومية تمس حياة الفلسطينيين في كل تفاصيلها وتعيق محاولات إعادة ترتيب ما تبقى من مقومات العيش بعد عامين من حرب الإبادة.

ومنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، توقع كثيرون أن تعود عجلة الحياة تدريجيا، إلا أن الواقع أظهر العكس تماما إذ بقيت الأوضاع الاقتصادية والخدمية على حالها، بل ازدادت تعقيدا تحت وطأة شح الوقود وغاز الطهي.

ومع استمرار انهيار سلاسل التوريد، تتراجع قدرة البلديات على تقديم خدماتها وتتقلص إمكانيات تشغيل المرافق الأساسية، فيما تبقى الأسواق تعيش حالة ركود وارتفاع أسعار غير مسبوق.

بطء فتح الطرق

وتكشف المؤشرات الراهنة أن نقص الوقود لم يعد مجرد تحدٍ تشغيلي بسيط، بل تحول إلى أزمة تهدد بنية المدن في غزة، فعمليات إزالة الركام وفتح الطرق تسير ببطء شديد، وباتت العائلات تعتمد على حلول بدائية للطهي والحصول على المياه بينما تكدست النفايات في الشوارع لعدم قدرة الشاحنات على الحركة.
كما أن محدودية الوقود تعني عمليا تعطل جزء كبير من الأنشطة التجارية والصناعية، ما انعكس على الأسواق بارتفاعات حادة في الأسعار وزيادة تكاليف النقل وتراجع القوة الشرائية للسكان.

وفي ظل عدم وصول الكميات اللازمة من السولار وغاز الطهي، يعيش القطاع في حلقة معقدة من الأزمات التي تغذي بعضها البعض وتسحب غزة نحو مزيد من الشلل الاقتصادي والخدمي.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالبروتوكول الإنساني المتفق عليه منذ وقف إطلاق النار، موضحا أن القطاع لم يتلقَ سوى 16% فقط من احتياجه الفعلي من غاز الطهي، رغم أن الوضع الاقتصادي والمعيشي بقي على حاله دون أي تحسن يُذكر مقارنة بفترة الحرب.
وقال المكتب في بيان سابق: “سمح الاحتلال بدخول 104 شاحنات فقط من غاز الطهي منذ وقف إطلاق النار وحتى تاريخ 6 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، من أصل 660 شاحنة كان يجب إدخالها خلال الفترة ذاتها”. وأضاف أن هذه الفجوة الكبيرة بين الاحتياج وما يتم إدخاله تسببت في أزمة إنسانية تمس 2.4 مليون مواطن يعتمدون على الغاز في احتياجاتهم المنزلية، وفي تشغيل المخابز والمطابخ الجماعية والمرافق الصحية.

تراجع قدرة البلديات

أكد المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن البلدية تواجه واحدة من أصعب الفترات منذ وقف إطلاق النار، “حيث أدت أزمة الكهرباء الخانقة ونقص الوقود إلى شلل شبه كامل في معظم الخدمات، خصوصا أن البلدية لم تعد قادرة على تشغيل المولدات الاحتياطية اللازمة لإدارة المرافق الأساسية”.
وقال مهنا لـ”العربي الجديد” إن هذه المولدات تمثل خط الدفاع الأخير لتشغيل آبار المياه ومحطات الضخ والمقار الخدمية، لكن تشغيلها يحتاج كميات من الوقود باتت متوفرة بنسب ضئيلة جدا.
وأضاف: “البلدية بحاجة ماسة للوقود لتشغيل آليات فتح الشوارع وتسوية الطرقات المتضررة، وآليات نقل المياه وسيارات الصرف الصحي والمركبات المسؤولة عن جمع النفايات الصلبة ونقلها من أحياء المدينة، في ظل التكدس الكبير للنفايات ومنع الاحتلال لطواقم البلدية من الوصول إلى مكب جحر الديك جنوب شرق مدينة غزة.
وشدد مهنا على أن استمرار الأزمة يعني استمرار الشلل في المياه والصرف الصحي والنظافة وفتح الشوارع، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للواقع الصحي والبيئي لسكان المدينة.
وسبق ذلك إعلان رئيس بلدية خانيونس المهندس علاء البطة أن البلديات في القطاع تعيش أزمة وقود تضرب مختلف مرافق العمل البلدي، موضحا أن الكميات المحدودة التي يسمح الاحتلال بإدخالها وتخضع لإدارة مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشروعات (UNOPS) لا تفي بالحد الأدنى من احتياجات البلديات من السولار اللازم لتشغيل مرافقها.

وتحدث البطة في مؤتمر صحافي لاتحاد بلديات القطاع عُقد الأسبوع الماضي، أن ما وصل إلى البلديات خلال 50 يوما منذ وقف إطلاق النار لا يكفي إلا لعمل خمسة أيام فقط في فتح الشوارع وإزالة الركام وتسهيل حياة النازحين.

نقص حاد في الوقود

أكد عضو لجنة أحد أحياء مخيم جباليا، شمالي القطاع، أبو خالد نبهان، أن الحي يعاني نقصا كبيرا في الوقود المتوفر لتشغيل الآليات والشاحنات المخصصة لفتح الطرق، مشيرا إلى أن الفرق العاملة تضطر لترك الركام على جانبي الطريق بسبب عدم توفر الوقود اللازم لنقله، بينما لا يتجاوز ما يصل إلى الحي 15% فقط من احتياجاته الحقيقية.
وقال نبهان لـ”العربي الجديد” إن هذا النقص في الوقود يجبرهم على إعطاء الأولوية للشوارع الرئيسية وتأجيل فتح الشوارع الداخلية، ما يعطل حركة السكان وعودة النشاط داخل المخيم. ولفت إلى أن الأزمة لا تتوقف عند بطء فتح الطرق فحسب، بل تمتد لتؤثر على الحياة اليومية للسكان داخل المخيم.
وأوضح أن ضعف القدرة على إزالة الركام يعرقل وصول سيارات الإسعاف ونقل المرضى، ويصعّب حركة الأهالي، مبيّنا أن مشاهد العائلات وهي تحاول تنظيف محيط منازلها بأدوات بدائية أصبحت مألوفة.
وتجدر الإشارة إلى أن أزمة الوقود وغاز الطهي تمثل أكبر العوائق أمام عودة الحياة الاقتصادية في غزة، “فالأسواق تعاني من ارتفاع كبير في الأسعار نتيجة زيادة تكاليف النقل وتشغيل المولدات والمحلات التجارية، في حين يواجه أصحاب المطاعم والمخابز صعوبة شديدة في الحصول على الغاز، ما أدى إلى تقليص ساعات العمل وارتفاع أسعار الوجبات والخبز”. كما أن غياب الوقود أدى إلى تعطل ورش التصنيع المحلية وتراجع عمليات نقل البضائع بين المحافظات وإبطاء حركة التجارة الداخلية.
ويجمع الاقتصاديون على أن الوقود هو المحرك الأساسي للتضخم، وأن الارتفاع الحالي في الأسعار ناتج بشكل كبير من أزمة الوقود التي شلت المواصلات ورفعت تكاليف الخدمات، ما جعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة.
وفي ظل غياب الحلول، تبقى غزة أمام معادلة صعبة لا يمكن معها استعادة الحياة أو الاقتصاد دون دخول كميات كافية من الوقود وغاز الطهي تسمح بإعادة تشغيل المرافق وعودة الأسواق إلى طبيعتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *