أيكون الشغفُ نفْسَه عند مشاهدة أفلامٍ، حديثة الإنتاج، بعد أسابيع أو أشهرٍ قليلة على عروضها الأولى في مهرجانات، مُصنّفة فئة أولى؟
الإجابة لن تكون ترفاً تنظيرياً، بل محاولة لترجمة انفعالٍ منبثقٍ من مشاهدة “متأخّرة”. فمهرجانات سينمائية عربية دولية، مُقامة دوراتها في الربع الأخير من عام 2025، تمنح فرصة مشاهدة بعض المُتدَاول، نقدياً وجماهيرياً، في بيئة أهدأ من صخب تلك المهرجانات الدولية “الأولى”، رغم قراءة وسماع متأتيّين من متابعة (وإنْ من مسافة جغرافية بعيدة)، لا من معاينة حسّية مباشرة. والأفلام تلك، هذا العام، أكثر من المعتاد، ولو قليلاً. وما يُقال ويُكتب عنها، بُعيد عروضها الأولى، مُثير لمُشاهدةٍ، ستتأخّر بسبب عدم التمكّن من المشاهدة “الطازجة”، إنْ يصحّ تعبيرٌ كهذا، وأسباب التأخّر لا علاقة لها بالمهنة والنقد فقط (لهذا نقاشٌ آخر، معبَّرٌ عنه سابقاً، ويُعبَّر عنه دائماً، لكن في مقالات أخرى).
المهرجانان العربيان الدوليان، اللذان يُتيحان مشاهدة هادئة وممتعة رغم قسوة واقعٍ وتفاصيل، ومتخيّل يُعيد سرد الواقع والتفاصيل بلغة الصورة السينمائية، غالباً؛ هذان المهرجانان سيكونان المساحة الأجمل لالتقاط شيءٍ من راهنٍ، يستمرّ في نبش المبطّن (في ذاتٍ ومجتمع وعلاقات وحكايات وأحوال)، ويستعيد تاريخاً وذاكرة، ويسرد “روايات” بألسنة أناسها. ففي الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة، والنسخة الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان الدوحة، هناك أفلامٌ معروضة في مهرجانات برلين و”كانّ” وكارلوفي فاري ولوكارنو وفينيسيا، عدد المُشاهَد منها أقلّ من المعروض، ومع هذا، فالمُشاهَد ممتع لأمرين (ليست الأفلام كلّها هكذا، طبعاً): قوة المرويّ، وجمال اللغة السينمائية.
الأفلام، المعنيّة بهذه المقالة، وفيرة، يتمثّل الأحبّ منها بـ”أب أم أخت أخ” لجيم جارموش، الفائز بالأسد الذهبي في الدورة 82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا، و”مدّعيان عامّان” لسيرغي لوزنيتسا، و”صوت هند رجب” لكوثر بن هنيّة، الحائز على الأسد الفضي في الدورة نفسها للمهرجان نفسه، رغم أنّ الفقرات الأخيرة مُسيئة إلى جمال الحاصل تمثيلاً وإدارة وتصويراً في غرفة الطوارئ، التابعة للهلال الأحمر في رام الله.
رغم قوة الموضوع وأهميته، وضرورة سرد حكايات منه بألسنة ناسها، يحتاج “اللي باقي منك” لشيرين دعيبس إلى تكثيف درامي، يتوافق والحكاية المروية بألسنة فلسطينيين وفلسطينيات. هذا حاصل أيضاً في “فلسطين 36” لآن ماري جاسر. فالفيلمان يتشابهان، عامة، بالعودة إلى التاريخ لسرد بعضه، ومحاولة جعل الأرشيف صُوراً حية تنبض بوقائع وتفاصيل. “الخيبة” أنّ الحكاية وسردها أقوى من بعض الشكل السينمائي. والخيبة أيضاً ناتجةٌ من مشاهدة “حادث بسيط” لجعفر بناهي، الفائز بالسعفة الذهبية للدورة 78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان “كانّ”، رغم حواراته المهمّة، وبعض الأداء التمثيلي فيه.
إذاً، لا التوقيت ولا الأداة يحولان دون مشاهدة، ولو متأخّرة، وغالبية المُشاهَد ممتع، رغم كلّ شيء. في افتتاح الدورة 22 (28 نوفمبر/تشرين الثاني ـ 6 ديسمبر/كانون الأول 2025) للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، يقول الكوري الجنوبي بونغ جون ـ هو إنّه، ببلوغه 22 عاماً، يلتهم “الأفلام بشغف، كطالب سينما”، إذْ يُشاهد ثلاثة أو أربعة أفلام يومياً. أهناك من يسأل أو يهتمّ بأداة المُشاهدة وتوقيتها؟ أفي صالةٍ، لحظة إطلاق العروض التجارية، أمْ في مكتبة أم نادٍ سينمائيَّين، أمْ في نشاطٍ أم مهرجان؟ لا أهمية لهذا. الشغف دافعٌ يُحطّم كل أداة وتوقيت. الثقافة السينمائية، الثرية بالأنواع والأنماط والهواجس والاشتغالات (وبينها أفلام تجارية واستهلاكية كثيرة)، التي يمتلكها الأميركي كوانتن تارانتينو، متأتية من عمله، شاباً، في محل لبيع أشرطة فيديو “في. أتش. أس.”، يُتيح له مشاهدات “لا تُعدّ ولا تُحصى”. أهناك من يَعِيب عليه مشاهدة كهذه، في أوقاتٍ غير متوافقة مع “أول عرضٍ دولي” لها، وفي صالة سينمائية كبيرة؟
هذا ليس نقداً لأفلامٍ، ولغيرها أيضاً، مُشاهَدة في مهرجاني الجونة والدوحة. إنّه يُثير سؤالاً، مطروحاً سابقاً ومراراً: أهناك “ضرورة” لحضور تلك المهرجانات الدولية “الأولى”، طالما أنّ أفلاماً كثيرة ستشارك في مهرجانات لاحقة عليها، وستُشَاهَد، وإنْ بعد حين؟
