“صفعة، هدية وسرير”.. خرائط الفقد داخل بيت واحد

امرأة ممدّدة على سرير، تطلب السماح والغفران من غائب غير مسمى. مشهد يفتتح مسرحية “صفعة، هدية وسرير” للمخرج المغربي ربيع التدلاوي بنجحيل، ويمثل عتبةً دلالية تُلقي بثقل الذنب على كامل العرض، لتضع المتفرج مباشرة داخل مأساة اكتملت حلقاتها، ولم يبق منها سوى الأثر.

النص الذي كتبه أحمد السبياع، ينشغل بتفكيك العنف الأسري على النحو الذي يمارس داخل الحياة اليومية، بعيداً عن الانفجار المباشر. الأم التي جسّدت دورها الفنانة رجاء بوحامي بأداء جسدي ونفسي كثيف، دخلت زواجاً مفروضاً في سن السابعة عشرة، واستمرت فيه تحت ضغط اجتماعي وأسري. سنوات القهر تحوّلت إلى صراخ دائم وتوتّر وانفعالات حادّة، وإلى رغبة مستمرة في إعادة تشكيل من حولها وفق صورة ذهنية للحياة لم تتحقق.

الأب، الذي جسّد دوره الفنان أمين بلمعزة، عاش إنهاكاً طويلاً بفعل عملٍ مهني قائم على الغش، وهو ما يعترف به لاحقاً باعتباره عبئاً نفسياً متراكماً. هذا الإرهاق كان يجد طريقه إلى البيت في هيئة عنف جسدي، يتمثّل في صفعات متكررة، تبدو كأنها رد فعل على عصبية زوجته، التي تكسر كل ما تجده أمامها، يعقبها سلوك تصالحي يعتمد على تقديم هدايا ثمينة لمصالحتها. الهدايا تتحوّل داخل العرض إلى جزءٍ من بنية العلاقة، تُستعمل لتسكين الغضب وتأجيل المواجهة، من دون أن تلامس أصل العطب.

سرير يتصدّر المشهد بوصفه مركز الاعتراف والانهيار

في هذا المناخ ينمو الابن، الذي شخص دوره الفنان محمد شهير بأداء داخلي بالغ الحساسية. يظل الشاب بلا اسم طيلة العرض، في اختيار دلالي يحيل إلى تآكل الفرد داخل بنية أسرية ضاغطة. يعرّف نفسه عبر ما يرفضه “أكره الضجيج، صراخ الأطفال فجأة…” ويكرّر هاجساً واحداً؛ الحفاظ على العقل من الانهيار. غرفته، كتبه، وانسحابه من العلاقات الاجتماعية تشكّل مساحات حماية من ضجيج دائم. تنقّلات الأسرة المتكرّرة بين المدن، بسبب عمل الأب، قطعت عليه إمكان بناء صداقات مستقرة، وراكمت لديه إحساساً مبكراً بالفقد والانفصال.

مع تصاعد التوتّر داخل البيت، يصل الابن الشاب إلى لحظة مواجهة حاسمة مع أمّه. يعبّر عن استنزافه الكامل، ويعلن تمسّكه بذاته كما هي، رافضاً أن يطالب بأن يكون نسخة أخرى. يذكرها بأنه لم يسع يوماً إلى استبدالها بأم أخرى، ويقرّر الرحيل حفاظاً على ما تبقّى داخله من إنسان، بدل أن يضع حداً لحياتها أو حياته.. هذا القرار يحول الرحيل إلى فعل واع، نابع من رغبة في النجاة النفسية.

بعد مغادرته، يتحوّل الغياب إلى مركز العرض. صدمة الأم تدخلها في رحلة بحثٍ محمومة عن ابنها، مكتفيةً بوصفه بملامح عابرة: “يرتدي نظارات وقامته قصيرة”. تنخرط في مسار من الأوهام، وتلجأ إلى المحتالين والعرافين، وتبيع الهدايا النفيسة التي كانت تتلقاها سابقاً، هديةً بعد أخرى، مستثمرة إياها في البحث عنه، ومنحها لمن أوهموها بأخبار عنه. ينتهي هذا المسار بانهيارها الكامل، واستسلامها للسرير باعتباره فضاء للعجز والندم.

تقوم سينوغرافيا المسرحية (توقيع أمينة الخضري)، على بناء بصري مكثّف يحوّل الفضاء الحركي إلى مرآةٍ للحالات النفسية للشخصيات، مكتبة خلفية وسرير يتصدّر المشهد بوصفه مركز الاعتراف والانهيار، وتتمركز عليه الإضاءة قبل أن تخفت مع سقوط كل من يستلقي عليه، في دلالة على استنزاف داخلي متراكم. ويحاصر الأب داخل إطار مربع لا يظهر منه سوى جزئه الأعلى، بما يعكس انغلاقه داخل دور اجتماعي صارم وحضور سلطوي منزوع المشاركة الوجدانية، بينما تتحرك الأم داخل دائرة تحتضن حكيها وانفعالاتها، وتجسّد دورانها المستمر في حلقة الفقد والندم والعاطفة غير المتزنة.

تُغلق المسرحية التي عرضت في السابع عشر من الشهر الماضي بمسرح عبد الصمد الكنفاوي بالدار البيضاء، دائرتها بالعودة إلى صورة الاعتذار الأولى، وقد اكتمل معناها. الغفران الذي تطلبه المرأة موجَّهٌ إلى ابن اختار الرحيل بعدما استنزف نفسياً.  “صفعة، هدية وسرير”، بحسب حديث المخرج بنجحيل للعربي الجديد “عمل فني يقدّم قراءة دقيقة للعنف الأسري، ويكشف كيف يؤدي استهلاك القريب، حين يستمر دون وعي، إلى فقد لا يترك سوى أثره الثقيل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *