مرّت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منذ تأسيسها بوصفها تحالفا عسكريا ضد تنظيم داعش أواخر العام 2015 وحتى تحولها إلى سلطة أمر واقع تدير نحو ثلث مساحة سورية، بمخاضات عدة، انتهت بها اليوم إلى مفترق طرق مصيري بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، وأدت إلى انحسار “قسد” في مساحة ضيقة أقصى شمال شرقي البلاد، وسط ضغوط عسكرية وسياسية وداخلية لتحديد خياراتها ومصيرها.
تأسست “قوات سوريا الديمقراطية” رسمياً في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2015 في مدينة الحسكة، بوصفها تحالفاً عسكرياً ضم قوى كردية وعربية وسريانية، لكن النواة الصلبة كانت كردية تتمثل خاصة بما تسمى “وحدات حماية الشعب” التي كان لها دور رئيسي في طرد “داعش” من مدينة عين العرب (كوباني) عام 2014 بدعم جوي من التحالف الدولي. في تلك الفترة التي شكلت ذروة صعود “داعش” وسيطرته على مساحات شاسعة في سورية والعراق، كانت الولايات المتحدة والتحالف الدولي يبحثان عن شريك محلي “موثوق” على الأرض لمحاربة التنظيم في ظل توجس أميركي من قدرة فصائل المعارضة السورية، المشغولة بمحاربة نظام بشار الأسد، والتي غالبيتها ذات صبغة إسلامية، على القيام بهذه المهمة.
وكانت العقبة أمام ولادة مثل هذا التشكيل، هي صبغته الكردية، ما قد يثير حساسية المجتمعات المحلية ذات الغالبية العربية، فسعت الوحدات الكردية، عملاً بنصيحة المستشارين الأميركيين، إلى الخروج من هذه الإشكالية عبر تغيير الاسم ليكون سورياً جامعاً، أي “قوات سوريا الديمقراطية”، إضافة إلى العمل على استقطاب مكونات أخرى غير كردية إلى التحالف الجديد تضم عشائر عربية ومكونات مسيحية، لتجنب أي اتهامات بالسعي للانفصال.
عاشت “قسد” عصرها الذهبي بعد العام 2016، حيث سيطرت على أهم الموارد الاقتصادية في سورية من نفط وغاز وقمح
وفي الجانب المدني والسياسي، تبنّت “قسد” نظرية ” الدولة الديمقراطية” و”اللامركزية”، وهو ما شكّل الإطار الفكري لما عُرف لاحقاً بـ”الإدارة الذاتية”. وعاشت “قسد” عصرها الذهبي بعد العام 2016، حيث سيطرت على أهم الموارد الاقتصادية في سورية من نفط وغاز وقمح. وأهم المحطات التي مرت عليها معركة الرقة (2017) والتي شكلت ذروة التعاون مع الجانب الأميركي لدحر “داعش” من عاصمته المزعومة، ثم معركة الباغوز (2019) حيث جرى الإعلان الرسمي عن نهاية “خلافة” داعش جغرافياً، مما جعل “قسد” حارساً للآلاف من معتقلي التنظيم وعائلاتهم.
وشهدت هذه الفترة بعض الانتكاسات لـ”قسد”، تمثلت خصوصاً في الهجمات التركية التي طردت “قسد” من بعض المناطق المهمة، مثل السيطرة على مدينة عفرين من جانب تركيا وفصائل المعارضة المدعومة من قبلها عام 2018 (عملية غصن الزيتون) ثم عملية “نبع السلام” عام 2019 في الشمال السوري حيث بدأت “قسد” تدرك أن التحالف مع واشنطن له حدود تقف عند المصالح التركية-الأميركية.
ومع سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، حاولت “قسد” ملء الفراغ في ريف حلب وشرق سورية، لكنها اصطدمت بواقع سياسي جديد في دمشق يقوده الرئيس أحمد الشرع الذي يصر على وحدة الأراضي السورية تحت قيادة مركزية. واختار الجانبان بضغط أميركي، الحل السياسي، وتوصلا إلى اتفاق في 10 مارس/آذار 2025 بشأن دمج قوات “قسد” ومؤسساتها في الدولة السورية، لكن تطبيق الاتفاق الذي كان يفترض أن ينتهي مع حلول العام الجديد، ظل متعثراً، بسبب التفسيرات المتباينة لبنوده، وهو ما دفع الحكومة السورية لتحرك ميداني بدأ بإنهاء وجود “قسد” في بعض أحياء مدينة حلب شمالي البلاد، ليتوسع هذا التمدد شرقاً باتجاه محافظتي دير الزور والرقة وصولاً إلى محافظة الحسكة، حيث تتحصن “قسد” اليوم في بعض مناطقها ذات الغالبية الكردية، بانتظار تطبيق عملي لاتفاق الدمج وفق صيغته الأخيرة المعلنة في 30 يناير/كانون الثاني 2026. وينص الاتفاق على الدمج العسكري لعناصر “قسد” في الجيش السوري على أنهم أفراد لا كتلة عسكرية مستقلة، وفق ما تقول دمشق، وتسليم المؤسسات المدنية في الحسكة والقامشلي للدولة السورية، إضافة إلى تسليم ملف سجناء “داعش” والمخيمات للحكومة المركزية.
هل تصدعت “قسد”؟
غازي دحمان: عوامل عدة أسهمت في خسارة “قسد”، منها العزلة الدولية وتغير السياسة الأميركية في عهد ترامب
يرى بعض المراقبين أن التطورات الأخيرة قد تكون أذنت بنهاية “قسد”، على الأقل بالشكل الذي كانت عليه حتى أسابيع قليلة، بسبب خسارتها مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت توفر لها تمويلاً ذاتياً لأنشطته المختلفة، فضلاً عن خسارتها للغطاء العربي المحلي. ويقول المحلل السياسي غازي دحمان، لـ”العربي الجديد”، إن عوامل عدة أسهمت في هذه الخسارة، منها العزلة الدولية وتغير السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي تقوم سياسته على بناء تحالفات مع الحكومة المركزية في دمشق لضمان الاستقرار الإقليمي ومواجهة النفوذ الإيراني، وليس مع قوى محلية ذات صبغة قومية ولديها مشكلات مع حليف قوي لواشنطن وهي تركيا، وهو ما حوّل “قسد” إلى مجرد ورقة مرحلية تم استهلاكها، وانتهت وظيفتها. ويضيف أن ما أسهم في خسارة “قسد” أيضاً، التصدع الداخلي وانفضاض المكوّن العربي عنها، إذ اختارت العشائر العربية الانضمام إلى الجيش السوري حتى قبل تقدمه إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد” في دير الزور والرقة، ما يشير إلى هشاشة هذا التحالف. يضاف إلى ذلك، وفق دحمان، التهديد التركي المستمر بعملية برية شاملة، ما جعل “قسد” في حالة استنزاف دائم، ودفعها للارتماء في أحضان دمشق والقبول بأي اتفاق معها وهو ما استغلته الحكومة السورية لفرض شروط “الاندماج الكامل”.
كوادر قنديل
غير أن الأزمة الحقيقية تتمثل بمشكلة “كوادر قنديل” أي المقاتلين والقادة القادمين من جبال قنديل والتابعين لحزب العمال الكردستاني، وهؤلاء يقدر عددهم ببضعة آلاف، وهم غير مشمولين باتفاقات الدمج مع دمشق التي تطالب ومعها أنقرة برحيلهم شرطاً للاستقرار، مما يجعلهم القوة المرشحة بقوة لعرقلة تطبيق الاتفاق بين “قسد” والحكومة السورية. وتشير تقارير صحافية واستخبارية مسربة في المصادر المفتوحة إلى أن جميع إيرادات النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة “قسد” كانت تُدار بواسطة لجنة مالية يشرف عليها كادر مباشر من قنديل، لضمان تمويل المنظومة الأوسع.
أكثر من 80% من قادة “المجالس العسكرية” لديهم “مساعدون” أو “مستشارون” من حزب العمال يملكون حق الفيتو على القرارات
وبينما يشكل العرب والأكراد السوريون غالبية المقاتلين، فإن أكثر من 80% من قادة “المجالس العسكرية” لديهم “مساعدون” أو “مستشارون” من حزب العمال يملكون حق الفيتو على القرارات. وأبرز قادة “قسد” المرتبطين بحزب العمال الكردستاني وقيادته في قنديل هم: مظلوم عبدي (شاهين جيلو) القائد العام لـ”قسد”، انضم لحزب العمال في التسعينيات، وكان مقرباً جداً من عبد الله أوجلان، وقضى سنوات قيادياً في جبال قنديل. باهوز أردال (فهمي كورتولان) قيادي عسكري خلف الكواليس يُعتقد أنه العقل المدبر العسكري الفعلي في شمال شرق سورية. إلهام أحمد القيادية السياسية في “مجلس سوريا الديمقراطي” (مسد) وتعتبر المهندسة السياسية للمشروع، وهي من الكوادر الذين تشربوا فكر الحزب منذ عقود. فوزة يوسف عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي. سيبان حمو عضو في القيادة العامة لـ”قسد” (يعتقد أنه قُتل أخيراً في غارة تركية). حسن كوجر نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية شمال وشرق سورية. الدار خليل عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، وصالح مسلم عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد.
مستقبل “قسد”
يرى المحلل السياسي الكردي زيد سفوك أن مصطلح “قوات سوريا الديمقراطية” بات أقرب إلى مرحلة منتهية، معتبراً أن هذه التسمية ارتبطت بظروف سياسية وعسكرية محددة لم تعد قائمة اليوم. ويوضح في حديث مع “العربي الجديد” أن “قسد” تأسست بدعم مباشر من الولايات المتحدة والتحالف الدولي، وضمّت في بنيتها مقاتلين من مختلف المكونات السورية، ما أتاح لها الانتشار في مناطق كردية وعربية على حد سواء، لكن المشهد تغيّر جذرياً بعد سقوط النظام السابق وتشكيل حكومة مؤقتة، إلى جانب إنشاء جيش جديد خاضع لوزارة الدفاع السورية، الأمر الذي انعكس على خريطة انتشار “قسد”، حيث انسحبت من عدد من المناطق ذات الغالبية العربية، ليقتصر وجودها بشكل أساسي على المناطق الكردية.
زيد سفوك: التفاهمات الأخيرة بين دمشق و”قسد” تبقى بطبيعتها مؤقتة
وبحسب سفوك، فإن أحد البنود الجوهرية في الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و”قسد” يتمثل في انضمام هذه القوات إلى تشكيلات عسكرية نظامية ضمن وزارة الدفاع، سواء على هيئة ألوية أو بوصفها قوات خاصة، لافتاً إلى أن التسميات الخاصة تنتهي عادة مع عملية الدمج، لتحل محلها مسميات عسكرية تقليدية معتمدة في الجيوش النظامية، كما هو معمول به في سورية وغيرها من الدول.
وفي ما يتعلق بقوات “بيشمركة روجافا” (تابعة للمجلس الوطني الكردي تدربت في إقليم كردستان العراق ولم تسمح لها قسد بدخول الأراضي السورية) يوضح سفوك أنها تتمركز حالياً في إقليم كردستان العراق، وتأسست أيضاً بدعم من التحالف الدولي في سياق محاربة “داعش”. ويرى أن عودتها أو انتشارها في المناطق الكردية داخل سورية يتطلب تنسيقاً معقداً وعلى مستويات متعددة، يبدأ بتفاهمات بين إقليم كردستان العراق وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيطر على تلك المناطق، ولا ينتهي من دون توافق ثلاثي يضم دمشق لتحديد طبيعة مهام هذه القوات واختصاصها ومناطق انتشارها.
ويعتبر أن هذه الملفات تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها، ولا يمكن البناء عليها في المرحلة الراهنة، في غياب دستور دائم مُصوّت عليه شعبياً، واستمرار عمل حكومة مؤقتة، إلى جانب الحديث عن عقد مؤتمر حوار وطني شامل قد يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة، ما يعني إعادة النظر في بنية مؤسسات الدولة، بما فيها وزارة الدفاع. ويخلص سفوك إلى أن التفاهمات الأخيرة بين دمشق و”قسد” تبقى بطبيعتها تفاهمات مؤقتة، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب قدراً أعلى من الشفافية والوضوح، في وقت لا تزال فيه الصورة العامة في سورية ضبابية، وسط تساؤلات مفتوحة حول المسار الذي ستتجه إليه البلاد ومستقبل القوى العسكرية القائمة فيها.
من جانبه، يعرب المحلل السياسي الكردي هيوا كابار عن اعتقاده أن “قسد” أو الأحزاب التابعة لها من الصعب أن تغيّر في نهجها أو تنقلب عليه، لكن من الممكن أن تغيّر قليلاً من خطابها السياسي وتقوم بنوع من المرونة في التنسيق العسكري والأمني، أما جوهر مشروعها الإداري فسوف تحاول الحفاظ عليه، مع تغير التكتيك لا الهدف، والأسلوب وليس الهوية. ويرى في حديث مع “العربي الجديد” أن تغيير التكتيك والأسلوب هو نتيجة للضغط الشعبي والدولي والإقليمي، وإن لم تستطع “قسد” أو الإدارة الذاتية التخلص من الكثير من الوجوه والشخصيات التي كان لها دور سلبي في المرحلة الماضية، فإن النقمة الشعبية عليها ستزداد، وعليها الاعتماد على دماء جديدة مؤهلة، خصوصاً في ضوء فشلها الإداري منذ بداية نشأتها حتى الآن، وفق قوله.
كريم قمر: “قسد” ببنيتها الحالية ربما لن تستمر، لكن الفكر السياسي الذي كافحت من أجله لن يختفي
أما ممثل الإدارة الذاتية في فرنسا كريم قمر، فيرى في حديث مع “العربي الجديد”، أن “قسد لم تخطئ في قراءة المشهد منذ 2015″، واصفاً المشروع الذي دافعت عنه بـ”الوطني بامتياز”. ويضيف: “تحاك الصفقات من وراء الكواليس على حساب شعوب لم تطلب إلا الحرية والكرامة التي من أجلها انتفض السوريون في 2011”. وبرأيه “تبديل دكتاتور علماني بآخر ديني، بعيد كل البعد عن قيم الحرية والعدالة وتقبّل الآخر في عقيدته ودينه ومعتقده”، مستبعداً أن يكون النظام الحالي في سورية “الحل الذي يمكن أن يوصل سورية إلى بر الأمان والاستقرار”. ويشير إلى “قسد ببنيتها الحالية ربما لن تستمر، لكن الفكر السياسي الذي من أجله كافحت وقدمت الكثير من التضحيات لم ولن يختفي، بمجرد أن اللاعب الإقليمي والدولي قرر العبث بمصير الشعب والبلد”.
من جانبه، يرى الخبير الأمني والعسكري رشيد حوراني أن “قسد” من الناحية العسكرية “انتهت”، مشيراً في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن غالبية العناصر العربية التي كانت في قوامها انضمت إلى الدولة السورية، مضيفاً: “لا يوجد اليوم في قسد إلا وحدات حماية ووحدات حماية الشعب”. ويرجح حوراني دمجهم في وزارة الداخلية السورية وتكون تبعتيهم لها. ويشير إلى أن تخفيض الدعم الأميركي لـ”قسد” الذي بدأ منذ العام 2019 وحتى تحديده في العام الحالي بـ120 مليون دولار، “أسهم في تقليص القوة البشرية لهذه القوات”، مضيفاً: “عدم قدرة قسد على المواجهة العسكرية وإدارة المعارك الأخيرة مع الجيش السوري أثبت أنها هياكل دعائية وليست هياكل حقيقية”.
